حدائق اللغات والعلوم الإنسانية

منتدى تعليمي أدبي تربوي تثقيفي
 
البوابةالرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مظاهرالحياة الثقافية و العلمية عند العرب في العصر الجاهلي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مصطفى بن الحاج

avatar

عدد الرسائل : 6067
العمر : 53
المنطقة : السوقر ولاية تيارت
المهنة /مكان العمل : أستاذ اللغة العربية و آدابها/ثانوية قاديري خالد
تاريخ التسجيل : 27/04/2008

مُساهمةموضوع: مظاهرالحياة الثقافية و العلمية عند العرب في العصر الجاهلي   الإثنين 1 ديسمبر 2008 - 23:22








مظاهرالحياة الثقافية عند العرب في العصر الجاهلي









لا شكّ أن معالِم الحياة الدينية تُعَد معْلَماً ثقافِياً أيضاً، لأنّ العبادات والآلهة والعقائد، رغم أنها مَزعومة وأنها باطلة، ولكنها تدلُّ على بحث أيضاً، وتدلُّ على نَظَر وتأثُر بالأمم الأخرى، وما إلى ذلك.
والحياة الثقافية عند العرب نجد لها أكثر من مِحور:
المحور الأول: هو ما علاقة عرب الشمال بعرب الجنوب، أو حضارة القحطانيِّين وحضارة سبإ، وما تلبَّس بها من معارف ومن حضارة ومن ازدهار بحضارة أهل الشمال. نجِد أن العرب الشماليِّين كانوا على صِلة بالحضارات المجاورة، كما يقول الدكتور شوقي ضيف، وكان تجار مَكة يدخلون في مصر والشام وبلاد فارس. وكان الحيريون يتصلون مباشرة بالفُرس، وبلاد فارس، والفُرس والروم كانت لهم ثقافاتهم ولهم عاداتهم ولهم تقاليدهم، وإن كان التأثير لم يكن عميقاً كما حدث في العصر العباسي مثلاً، وكان الغساسنة يتصلون بالروم وقد تنصروا وشاعت النصرانية في قبائل الشام، والعراق، ونزل بينهم كثير مِن اليهود في الحجاز واليمن.
إذاً هذا المَظهر التأثري، هو التأثر بالناحية العَقدية، فشاعت النصرانية، وشاعت اليهودية، في كَثير من المناطق العربية.
وكل ذلك معناه اتصال العرب الشماليين بالأمم المُجاورة وحضاراتها، ولكن كما قلت: أن ذلك كان في حُدود ضَيقة، وكان في حدود تأثر بالمَظهر التجاري، أو التبادل التجاري، أو المَعارف الضَّيقة، فالعرب كانوا يعْتَزّون بسِماتهم، ويعْتَزون بخصائصهم، ويعْتَزون بتقاليدهم، ويعْتَزون بأعرافهم. والعرب الجنوب يبدو أنهم بعد أن دَالت حضارتهم "حضارة سبإ" هاجروا وانتشروا في بلاد كثيرة، ولم يكن عندهم ثقافة ذات معالم بيِّنة، وحتى من وجْهة التنظيم السياسي كان يعمّهم النظام الإقطاعي، ولذلك حينما ضعُفت دولتهم الأخيرة دولة سبأ، تحولوا سريعاً إلى قبائل، وحدثت هِجْرات كثيرة من الجنوب إلى الشمال، وإلى المناطق العربية.
وهناك كتاب في هذا الشأن يمكن أن يُرجع إليه وهو كتاب: "الثقافة العربية أسبق من ثقافة العبريِّين واليونان" للأستاذ محمود عباس العقاد، وهو يرى أن المنطقة العربية القديمة تشمل الجزيرة العربية، وتشمل الشام، وتشمل العراق، وتشمل حتى مصر، والمغرب العربي، مع أن المنطقة العربية الآن هي المنطقة العربية القديمة، وهذه النظرة التوسعية الشمولية، تجعلنا نعيد كثيراً من الحِسابات والأحكام، لأن كثيراً من الباحثين حينما يتكلّم عن الثقافة العربية القديمة، يحصر كلامه في شِبه الجزيرة العربية فقط، وهذه تكون أحكاماً مسوّرة أو محدودة بقيود كثيرة.
ولكن هنا شُبْهة أثيرت، وهي: شُبْهة تَفوُّق الجِنْس الآري على الجنس السامي، سواء كانوا عرباً أو غير عرب، وهذه الشبهة أثارها المستشرقون الأوربيون وغيرهم، حتى يثبتوا أن الرومان، وأن الجنس الآري، وأن الأوربيِّين بصفة عامة، هُم جِنس مُتَفوّق تفكيراً، وسلوكاً، وحضارةً، وميراثاً، وما إلى ذلك. وهذه الشبهة مَرفوضة، لأنه ليس هناك جِنس مميز من أول التاريخ إلى آخره، وإنما التأثر والتأثير و الصلات بين الحضارات.

نسأل سؤالاً: ما أهم معارف العرب وعُلومهم في العصر الجاهلي؟ العرب لم يكن عندهم عِلْم مُنَظَّم ولكن عندهم معَارف كثيرة.
أولاً: عِلْم الأنساب والأيام.
ثانياً: معْرفة العرب بالنجوم ومطالعها وأنوائها، ولذلك نرى رأياً للجاحظ في هذا الكلام وآراء كثيرة. يقول الجاحظ في كتابه "البيان والتبيين": وإنَّ العرب عرفوا الأنواء ونُجوم الاهتداء، لأن من كان بالصحاح الأماليس، -أي: الأرض المستوية التي ليس بها ماء ولا شجر- مضطرّ إلى التماس ما يُنْجيه ويُؤدّيه -أي: يُعْينه- ولحاجته إلى الغَيث وفِراره مِن الجَدب، وضَنه بالحياة، اضطرته الحاجة إلى تَعرُّف شَأن الغَيث، مِن أين يأتي؟ ما هي أحواله؟ ما هي مَواعِيده؟ ولأنه في كل حال يرى السماء وما يجري فيها من كوكب، ويرى التعاقب بينها، والنجوم الثوابت فيها، وما يسير منها مجْتمعاً، وما يسير منها فارِداً، وما يكون منها راجِعاً ومستقيماً؛ كل هذا تأمله في أحوال السموات والكواكب، نشأ من أن الماء يأتيه، كما قال تعالى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}. فالحاجة دفَعته إلى تأمّل هذه الأشياء، وتُلَخِّص أعرابية هذه المعرفة حين قِيل لها أتعرفين النجوم؟ قالت سبحان الله! أما أعرف أشباحاً وقوفاً عليَّ كلَّ ليلة. وأيضاً هناك أعرابي وصف لبعض أهل الحَاضِرة نجوم الأنواء، ونجوم الاهتداء، ونجوم ساعات الليل، والسُّعُود والنُّحُوس.
وقال قائل لشيخ عبادي: -كان حاضراً- أما ترى هذا الأعرابي يعْرف مِن النجوم ما لا نعْرِف، قال: مَنْ لا يعْرف أجزاع بيته؟ يعني: مَن الذي لا يعرف ما في سقْف بيته، نجد وسيقان النخل تُجْعل سقفاً للخيمة.
إذاً، هناك أيضاً شهادة أخرى يقولها صاعد بن أحمد، المتوفَّى (435هـ): كان للعرب معْرفة بأوقات النجوم ومطالعها ومغايبها. وأيضاً العرب عندهم معارف طبية، والعِيافَة، والتَّنَبؤ، والفِراسَة، والقِيافَة، والحِكَم والأمثال، كل ذلك يدلُّ على رجاحة العقل وعلى النظر الدقيق.
أيضاً، نرى أن معارف العرب كما قلت: هناك معارف طبية ولكنها مبْنية على الملاحظة والخِبرة ومزجت ببعض الخرافات، وأيضاً العِيافَة والتَّنبؤ بملاحظة حَركة الطيور، والفِراسة والقِيافَة. ولكن يهمنا أن نعرف كيف ظهر أثر هذا في أشعارهم؟ نجد أن كتب الأمثال والأدب، تمتلئ بما دار على لسان لقْمان وغيره مِن حكماء الجاهلية من حِكَم، مثل قول أكثم: "مقْتل الرجل بين فكَّيْه"، وقول عامر بن ضرب: "ربّ زارع لنفسه حاصد سواه". وفي الشعر الجاهلي كَثير من هذه الحِكم. وهي تذكر في ثنايا كلامهم، وتدلُّ على ثقافة ومعرفة، ولكنها ثقافة ومعرفة نابعة من التجربة. يقول طرفة في معلّقته:
أرى العيش كنزاً ناقصاً كلّ ليلةٍ وما تنقص الأيام والدهر ينْفَد
وأيضاً زهير في معلّقته كَثير من الحِكم، وكان شاعراً حكيماً -كما قلنا قبل ذلك-، يقول:
وأعلم ما في اليوم والأمسِ قبْله ولكنني عن عِلْم ما في غدٍ عمِ
ومن لا يُصانِعْ في أمور كثيرة يضرَّس بأنياب ويوطَأ بمَنْسِمِ
ومَن لا يَذُدْ عن حَوضه بسلاحه يُهدَّم ومن لا يَظلِم الناس يُظْلم
ومن هاب أسباب المنايا ينلْنَه ولو رام أسباب السماء بسلَّمِ
ومهما تكن عند امرئ من خَليقةٍ وإن خَالها تَخْفى على الناس تُعْلمِ
هذه الحِكم تدلُّنا أيضاً على معرفة وثقافة وإن كانت ثقافة نَظرية.
التعليم عند العرب قبيل الإسلام:
كان العرب قبل الإسلام أمة أمـيّة كما ورد وصفهم في قوله تعالى: ((هُوَ ألَّذِى بَعَثَ فِى ألامّيّينَ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَـاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ ألْكِتَـابَ وَألْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ)) (الجمعة:2)، و«أميون جمع أميّ وهو من لا يقرأ ولا يكتب»(1)، وهم ينقسـمون جملة إلى بدو وحضر، والأميّة صفة أغلب أهل البدو، بل «إنّ جميع عرب البوادي كذلك»(2). ولكن هذه الأميّة لم تصدهم عن أن يكونوا من ذوي العلم، الحريصيـن على العلم والتعـليم، إذ إنّ «العرب جيل من الناس لم يزالوا موسومين بين الأمم بالبيان في الكلام، والفصاحة في المنطق، والذلاقة في اللّسان، ولذلك سموا بهذا الاسم فإنّه مشتق من الإبانة، لقولهم أعرب الرجل عما في ضميره إذا أبان عنه»(3). فضلاً عن ذلك، فإنّ العلم كان علامة الشرف والسيادة في القبيلة كما عبّر عن ذلك الشاعر الجاهلي الأفوه الأودي وكان سيّدا في قومه، بقوله:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا
تُهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت فإنْ تولوا فبالأشرار تـنقاد(4)
وقد كان العرب أحرص الناس على تلقين وتعليم أولادهم الفصاحة والبيان، إذ «كان العرب في الجاهلية يلقنون أبناءهم وبناتهم ما هم في احتياج إليه من المعارف يعدّونهم بها إلى الكمال المعروف عندهم. وكان أول ذلك عندهم التدريب على الفصاحة وإن كانت جبلة فيهم ولكنهم يذودون عن أبنائهم الخطأ ويعصمونهم من اللكنة والخطل، وقد شعروا بأنّ الاختلاط أصل فساد اللغات، وفراراً من هذا الفساد تواطئوا على مبدأين كانا بمنـزلة تعليم اللغة:
أولهما: ترك الاختلاط بمصاهرة غيرهم من الأمم.
وثانيهما: ترك المقام بمدائن مجاوريهم من العجم كالروم والفرس، على كثرة رحلاتهم إليهم في قضاء مآربهم»(5).
ولقد أشار الإمام صاعد الأندلسي إلى أهم العلوم المتداولة بين عرب الجاهلية بقولـه: «وأما علمها (يقصد العرب) الذي كانت تفاخر به وتباري فيه فعلم لسانها وإحكام لغتها ونظم الأشعار وتأليف الخطب. وكانت مع ذلك أهل علم الأخبار ومعدن معرفة السير والأمصار…وكان للعرب معرفة بأوقات مطالع النجوم ومغاربها، وعلم بأنواء الكواكب وأمطارها، على حسب ما أدركوه بفرط العناية وطول التجربة، لاحتياجهم لمعرفة ذلك في أسباب المعيشة لا على طريق تعلّم الحقائق ولا على سبيل التدرب في العلوم»(6).
وبناء على ذلك، فإنّ الشعر كان أكثر علم العرب، فبه حفظوا أيامهم وخلّدوا مآثرهم، ودونوا حروبهم وسنّوا كثيراً من مكارم الأخلاق. وقد بلغت العناية بالشعر مبلغاً عظيماً، فـ«علم الشعر عندهم فسطاط علومهم كلّها، لما لم يكونوا يدونون ويكتبون، وكانوا يُعْنَون بحفظ أنسابهم وتاريخهم ومفاخرهم، وكانوا يخشون النسيان على قوة عوارضهم وبراعة حوافظهم، فكان الشعر من حيث إنه يذكر مفاخرهم، ويثير شجاعتهم، ويرثي شريفهم، ويمدح سادتهم، ويتضمن في ذلك حفظ أنسابهم وتذكيرهم بأيامهم، بمنـزلة المتن الذي يحفظه التلميذ على ظهر قلبه فيـتذكر من موجز عباراته شروحاً طويلة في ذهنه. هذا زيادة على ما كان للشعر عندهم من الأهمية وهي ترويج أغراضهم عند تظلمهم، وتحميس قومهم وحلفائهم، وبثّ الأخلاق والفضايل في عامتهم، ودفع المساوي عنهم»(7). ولقد أشار أبو تمام إلى أهمية الشعر العربي بشقيه الجاهلي والإسلامي في الحثّ على مكارم الأخلاق ومعالي الأمور بقوله:
ولولا خلال سنّها الشعر ما درى بناة المعالي كيف تؤتى المكارم
ونظراً لما كان للشعر عند العرب من مكانة عظمى، فإنّ أيّ قبيلة منهم كانت إذا نبغ فيها شاعر وبرز عن أقرانه وبزّ أترابه أتت القبائل فهنأتها بذلك ويولمون، فيطعمون وتجـتمع النساء للعب والطرب فرحاً وسروراً واستبشاراً بهذا الحدث العظيم، لأنّ في نبوغه حماية لأعراضهم وذباً عن أحسابهم ورفعاً لذكرهم. وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ المعروف من عاداتهم أنّهم كانوا لا يولمون ولا يهنئون إلا بغلام يولد أو فرس تنتج أو شاعر ينبغ فيهم(Cool. والسبب في ذلك راجع إلى أنّ كلّ أمة تعتمد في استبقاء مآثرها وتحصين مناقبها على ضرب من الضروب وشكل من الأشكال. وكانت العرب في جاهليتها تحتال في تخليدها بأنْ تعتمد في ذلك على الشعر الموزون والكلام المقفى وكان ذلك هو ديوانها»(9).
وبالإضافة إلى اهتمام العرب بعلم اللغة من شعر وخطابة، فإنهم كانوا يهتمون أيضاً بتعليم مكارم الأخلاق وحميدها، إذ كان «يلي تعليم اللّسان عندهم في الدرجة الثانية تعليم الأخلاق الجميلة والصفات العلية فكانوا يُشبون أبناءهم وبناتهم على أخلاق تنفع كلاّ في خطته من المجتمع في اصطلاحهم.
وفضلاً عن ذلك كان لأفراد قلائل منهم اهتمام ببعض العلوم الأخرى، وإنْ لم تكن شائعة شيوع الشعر والخطابة مثل الطبّ والنظر في النجوم (علم الفلك) وغيرها.
فهذا مجمل القول في أهم العلوم التي كانت شائعة في المجتمع العربي قبل الإسلام، وهي علوم مناسبة لبيئتهم وجارية على ما تقتضيه حاجاتهم في الحياة.
وكانت لهم أسواق ومجالس آداب تشبه في كثير من الوجوه الأندية اللغوية والمجامع العلمية التي نعرفها اليوم(10).
وبالرجوع إلى كتب الأدب العربي نقف على أشهر الأسواق التي كانت محلاً لتناشد الأشعار وهي سوق عكاظ ومكانه قرب الطائف، وسوق مجنة ومكانه قرب مكة، وسوق ذي المجاز ومكانه جهة عرفة(11). وزيادة على ذلك، فإنّ المجتمع وما فيه كان مكاناً مفتوحاً للتعليم، حيث يتعلم الصغار من الكبار تلقائياً عن طريق الممارسة والمحاكاة والسّماع.




توقيع الأستاذ













الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
مظاهرالحياة الثقافية و العلمية عند العرب في العصر الجاهلي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
حدائق اللغات والعلوم الإنسانية :: منتديات اللغة العربية و آدابها :: الوضعيات الإدماجية والمشاريع :: فضاء السنة الأولى-
انتقل الى: