حدائق اللغات والعلوم الإنسانية

منتدى تعليمي أدبي تربوي تثقيفي
 
البوابةالرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الحزن والألم في شعر إبراهيم ناجي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مصطفى بن الحاج 1
مشرف عام
مشرف عام


عدد الرسائل : 1201
العمر : 49
المنطقة : تيارت
تاريخ التسجيل : 24/03/2008

مُساهمةموضوع: الحزن والألم في شعر إبراهيم ناجي   الأحد 7 ديسمبر 2014 - 22:07


الحزن والألم في شعر إبراهيم ناجي


بهمن هاديلو، طالب مرحلة الدکتوراه بجامعة إعداد المعلمين بطهران
علي حسين غلامي، ماجيستر من جامعةإعداد المعلمين بطهران
__

المخلص:

إبراهيم ناجي يعدّ من أعلام شعراء العصر الحديث ومن الشعراء المصريين المجددين .جري مجري رومانسيياً و يرکن شعره إلي الشکوي والأنين ويمتاز بالجدة. يکون الشکوي والألم مع الإنسان ونري التعبير عنه عند الشعراء وناجي من هولاء الشعراء الذين تترائ له أشباح الآلام و شعره حافل بتصأويرها کما من خلال دراسة أشعاره نصل إلي أنغام مختلفة في شعره وهذه النغمات تبين موقفه الأدبي وتأملاته وأحزانه مع تعابيره الخاصة .
يجد الشاعر في هذه الأغاني ما يغذي رومانسيته البکاءة وما يزيد شکواه إلتهاباً حيث ينقل تجربته إلي الأذهان نقلاً حياً موحيا.ً
نري في فن ناجي الغنائي التجربته التعبيرية والموسيقية المنفعلة کما نلمح شخصيته القوية وذاتيته المعبّرة في وضوح وجلاء.
الکلمات الدليلية: الحزن والألم، إبراهيم ناجي، الرومانسية ، الحب .
المقدمة:
منذ وجد الإنسان هو يعاني أزمة الحياة ويدرک ما فيها من خير وشّر وسرور وحزن . شعور الإنسان بالألم و الحزن ظلّ رفيقه في الحياة وهذه الآلام تکون لفقد عزيز أو أمنيّةأو نعمة أو تکون لحرمانٍ مما يحب ويريد في الحياة. نحن نجد بيان هذه الإختلاجات في شعر الشعراء من العصر الجاهلي حتي شعراء العصر الحديث و نراه خاصة في أشعار المذهب الرومانسي کالشعور الحاد بالألم عند أبي القاسم الشابي وإبراهيم ناجي و ... .
کان ناجي شاعر الدمعة المنسکبة علي مآسي الحياة و من بواعث اختيارهذا الموضوع هي ان نعرف شعره الرومانتيکي وأغانيه الشجينة و أسباب هذه الأغاني مع ميزاتها وتعبيرعنها.
إذا نظرت إلي الموضوعات التي نقشت حول شاعرنا رأيت أبحاثاً حوله و شاعريته نحو«إبراهيم ناجي شاعراً» ولکن ما وجدتُ موضوعاً يتنأول الألم في شعره بشکل موضوعٍ مستقل وأما المقال هذا فيتنأول الألم والحزن في شعره من عدّة جوانب و يبحث خاصة في خمس قصائد [1] .
أما هذا المقال بعد ذکرحياة الشاعر فيبحث عن شعره ثم يشير إشارة موجزة إلي الحزن في الشعر العربي ثم يتنأول الحزن في شعر ناجي ويذکر جوانبه المختلفة مع الأشعار التي حوله.
يهدف المقال هذا دراسة شعره وأيضاّ ماهي العوامل التي أثرت في إتجاهه الشعري وآلامه؟ وفي أيّ ّجوانب تکون آلامه ؟ وکيف يعبّر عنها ؟
حياته:

إبراهيم ناجي شاعر مصري واسمه الکامل إبراهيم احمد ناجي القصبجي ولد بالقاهرة في 31ديسمبر1898 م بحي شبرا. التحق بالمدرسة الإبتداعية والمدرسة الثانوية والتوفيقية بشبرا ثم التحق بکلية الطب في جامعة القاهرة وتخرّج منها عام 1923وعين طبيباً .عني بالأدب العربي والأوربي وألمّ بالإنجليزية والفرنسيّة وعني الشاعر بالمدارس الشعرية المعاصرة وانتسب إلي جمعيّة أبولو سنة1932م لرغبة ملحة في نفسه في التحرر من قيود التقليد وصار وکيلاً لها . [2].
ناجي في أوائل سنة 1953م أحيل إلي المعاش وبعدها بأشهر مات مارس 1953م. خلّف آثاراً منها ديوانه وراء الغمام ، ديوان ليالي القاهرة ، ديوان طائر الجريح، مدينة الأحلام :مختارت من محاضرات وقصص. [3].
شعر ناجي:
يقول ناجي عن شعره « هو النافذة التي أطل منها علي الحياة وأشرف منها علي الأبد ومأوراء الأبد .هوالهواء الذي أتنفسه والبلسم الذي دأويتُ بها جراح نفسي عندما عزّ الإساءة.هذا هو شعري.» [4].
ان علاقة ناجي بالتراث الشعري العربي علاقة قوية وهذه العلاقة بالتراث القديم والحديث وفّرلجملته الشعرية سلامة في البناء اللغوي و قدرة علي الدلالة الفنية کما نري هذه العلاقة في تاثّره بامرئ القيس ومعلّقته [5] وقرأ ديوان الشريف الرضي ولعل أهم من يعترف ناجي بتاثره من القدما هوأبو الطيب المتنبي و بالنسبة للمحدثين بالبارودي و قرأ أحمد شوقي و أيضاّ خليل مطران الذي يعترف بأستاذيته أما فيما يتصل بالثقافة العالمية نستطيع علي أن نؤکدعلي سعة إطلاعه علي الأدب الإنجليزي والفرنسي. [6]
کلّ هذه الثقافات أثرت في تکوين شعره وإتجاهه إلي الشعر الرومانسي وإلتفاته إلي الشعر الوجداني کما يقول الدکتور شوقي ضيف في کتابه « الأدب العربي المعاصر في مصر» عن شعر ناجي « کان أهم ما يعجبه عنده شعره الوجداني و أقبل علي أصحاب المنزع الرومانسي يقرأ في شعرهم وآثارهم وتحمس لهم کما تحمس لأستاذه خليل مطران إذ أعجب إعجاباً شديداً بمنهجهم الذاتي الذي يقوم علي تصوير خلجات نفسه إزاء الحب والطبيعة دون العناية بحياة المدينة » [7]
من خصائص المنزع الرومانسي عنده هي‌‌:1]] الإنفعال بالطبيعة وکل مظاهر الجمال فيها 2]]ألتطلع إلي المثل الأعلي والحياة الفضلي 3]] الشعور بالغربة في مجتمع تستبدّ به الشرور بالناس جميعاً 4]] تحليل العواطف الإنسانية في نفسه وفي نفوس الآخرين ومواقفهم. [8].
ناجي کتب عن أعمق التجارب الشعرية مع إتجاهه بالبساطة حيث لا يعرف الزيف في شعره ويسعي أن يستمد من إحساسه من الجمال والحياة ونري تعابيره الخاصة .
جدد ناجي في شکل القصيدة ومضمونها کما نري تجديده في الموسيقي ، في الخيال ، في اللفظ وفي الافکار و الأساليب [9].
شعر ناجي فيه الأصالة وعمق التجربة ودعوة واضحة للحرية وللوحدة العضوية في القصيدة وتبدأ القصيدة بإنفعال نفسي يستمر هذا الإنفعال مع عاطفته حتي نهاية مضمون القصيدة ويجذب القارئ مع عذوبته [10].
الحزن في الشعر العربي:
يختلف الشعراء في إحساسهم بالکون أو بأنفسهم وما حولها إختلافاً مبعثه العمق والحدّة في الإدراک والنفوذ إلي بواطنهم وبواطن ما يصوّرونه ونري الشعراء تارة يفيض شعرهم باللذة والفرح وتارة يفيض بالحزن والألم العميق.
نري في الأدب العربي شعراء ممن نشدوا أشعاراً لبيان ما في حياتهم من الألم والشعور بالحرمان طوال عصور مختلفة کما نلاحظ إمرأالقيس في المجتمع الجاهلي يقول عن همومه:
وليلٍ کموج البحر أرخي سُدوله عليّ بانواع الهمومِ ليبتلي
فقلتُ له لمّا تمطّي بصلبه وأردف أعجازاَ و ناء بکلکل
ألاأيّها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح منک بامثل
[11].
کما نري في العصر الأموي دموع المحبيين العذريين من أمثال مجنون ليلي:
لم تزل مُقلتي تفيض بدمع يشبه الغيثُ بعد أن فقدتها
مقلة دمعها حثيثٌ وأخري کلمّا جفّ دمعها أسعدتها
ما جرت هذه علي الخدّ حتي لحَقَت تلک بالتي سبقتها
[12].
وفي العهد العباسي يري المتنبي أنّ البؤس والشقاء شائعان في الحياة :
صحب الناسَ قبلنا ذا الزمانا وعناهم من شأنه ما عنانا
وتولّوا بغصة کّلهم منه وإن سرّ بعضهم احياناً
ربّماتحسن الصنيع ليالي ه ولکن تکدّر الإحسانا
[13].
وفي العصر الحديث نقرأ شعر حافظ إبراهيم في البؤس والشقاء وأحزان بدر شاکر السياب کما نجد اباالقاسم الشابي فأخذ يشدو أغاني مشجية ويحيطه الکآبة من کلّ صوبٍ:
ماذا جنيت من الحياة ومن تجارب الدهور
غيرالندامة و الأسي واليأس والدمع الغزير
[14].
-الحزن في الشعر ناجي:

إذا ننظر إلي أشعار ناجي نجد تصأويرالحزن واليأس فيها وکلّها إشاعة الروح الرومانتيکية الحديثة وتتمثل فيها شخصيةالشاعر مليئة بالشکوي والانات وديوانه وراء الغمام خير شاهدٍ علي هذه السمة في شعره کما يقول الدکتور شوقي ضيف « فقد کان يدمن قرأءة الآثار الغربية فتتعلّق بهذا الإتجاه وظلّ ينميه ومن أجل ذلک تتّضح شخصيته في شعره تمام الوضوح بجميع ملامحها العاطفية وقسماتها الوجدانية وهي شخصية شاعر مجروح يئن دائماً ويشکو افلات سعادته منه بصورة محزونة [15].
حينما ندرس شعره نري هذا الحزن فيما يلي:
في حبه الحزين والمحروم کما فيه أغنية حزينة لحبيب رحل و جمال ِ زال.
إحساسه المأسوي إلي الحياة ورويته للکون کما يري عجز الإنسان من التصدي للواقع ويجد صورة الإنسان أدبها فردية سلبية حزينة .
تارة أخري نري في حبه لوطنه [16]وحسرته علي ما أصيبت بها
أيضاّ في قصائده التي يرثي ويبکي فيها علي فقيدٍ من الأعزّاء ويکون برهاناً علي إحساسه الفياض بالموّدة والألم .
الحزن في الحب وفراق الحبيب:

نري في شعر الرومانسيين بيان العواطف والمشاعر في الحب والصدق فيها إلي نوعٍ من إشادة المرأة والخضوع لسلطانها ولم يکن خضوعهم من ضعف بل کان ورائها حب عميق وصدق العاطفة ومن روادف هذا الحب ومن مستلزماته الاحساس بالألم والغربة والحنين .
کانت حياة ناجي قصيدة حب حالمة وأحاديث عاطفة مرهفة وفيها أنغام الهجر والوصال والرضاء.والألم ويعبر عن کلّها بصدق حرارة ولايجد سوي الدموع للتقرب بحبيبته ولايجد بلسماً لجراح شغافه إلا الوصال ولذلک يعدّ بحق « شاعر الحب » [17].
شاعرنا يصورحبه ومرارة الفرقة في قصائده المبثوثة في ديوانه وهذه النزعة عنده متنوعة نراه يبکي الأطلال ويقف علي معاهده ذکريات وملاعب صباه ويذرف دموعاً ويستمد من خلق صورخاصة لبيان ما في نفسه من الألم حتي يوحي للقارئ.
کما يقول في قصيدته الأطلال:
يافؤادي رحم الله الهوي کان صرحاً من خيالٍ فهوي
اسقني و اشرب علي أطلاله واروعني طالما الدمع روي
کيف ذاک الحب أمسي خبراً وحديثاً من أحاديث الجوي
[18].
هنا يبدأ الشاعر قصيدته بمخاطبة فؤاده بديلاً عن کلمة القلب ويستخدمها علي أساس التشخيص و يخاطبه.
أطلال في القاموس هي التراث والبقايا الماديه لديار المحبوبة لکنّها عند ناجي قدصارت لها دلالات معنوية جديدة فهناک أطلال الحب ، أطلال الروح ، أطلال الذکري و... .
ونراه حيناً آخر يخاطب الرياح وهذه الرياح هي الثورة النفسية الناشئة من الحب ولکن مضي وصار کلّه خيالاً وقضي عمره في سبيل الحبيبة التي لا عهد لها:
يا رياحاً ليس يهدا عصفها نضب الزيت ومصباحي انطفا
وأنا اقتات من وهم غفا وافي العمر لناسِ مأوفي
وإذا القلب علي غفرانه کلّما غار به النصل عفا [19].
والمقصود من الرياح أنها الثورة الفنية ومراده من الزيت هو اللقاء والوصال والمصباح هو الحب وإشتعاله .
هذا الغرام کان مقدراً له کالموت وکلّه حزن ومأتمٌ والعمر قضي کلّه فيه:
ياغراماً کان مني في دمي
فدراً کالموت أو في طعمهِ
ما قضينا ساعة في عرسه
وقضينا العمر في مأ تمه ِ
ليت شعري أين منه مهربي
أين يمضي هارب من دمهِ [20].
ذهب العمر سدي ولم يکن وعدها إلاّ وهماً وهو يضحک ألماً وکمداً وقلبه مذبوح وهذا الألم يطحنه طحن الرحي:
ذهب العمر هباء فاذهبي لم يکن وعدک الاّ شبحاً
أنظري ضحکي ورقصي فرحاً وأنا أحمل قلباً ذبحاً
ويراني الناس روحا طائراً والجوي يطحنني طحن الرحي
[21].
لعدم الوصال يتنغني بالألم والشجن حتي تکوي عظامه هذه الآلام والذکريات الحزينة وکل ثانية في فراقها جمرة حارقة في وجوده :
يا حبيباً زرت يوماً أيکه طائر الشوق اغني المي
ذلک ابطاء الدلال المنعم وتجني القادر المحتکم
وحنين لک يکوي أعظمي والثواني جمرات في دمي
[22].
وأيضاّ:
قدم تخطو وقلبي مشبه موجة تخطو إلي شاطئها
أيها الظالم بالله إلي کم أسفح الدمع علي موطئها
رحمةٌ أنت فهل من رحمة لغريب الروح أو ظامئها
يا شفاء الروح تشتکي ظلم آسيها إلي بارئها
[23].
ويعبر عن أشجانه في الليل ويغني بها حتي الفجر ويريد بعد الهجران أن يصل إلي الوصال :
هذا الليل ولاقلب إله أيها الساهر يدر ي حيرتک
أيها الشعر خذ قيثارتک وغزا السحب وبالنجم فتک
غنّه حتي تري ستر الدجي طلع الفجر عليه فانهتک
[24].
عمره ضاع في سبيل أکاذيب المني وهو أسير الحب الذي ثمرته الحرمان:
حان حرماني وناداني نذير ماالذي أعددت لي قبل المسير
زمني ضاع وما أنصفتني زادي الأول کالزاد الأخير
عمري من أکاذيب المني وطعامي من عفاف وضمير
وعلي کفّک قلب و دم وعلي بابک قيد وأسير
[25].
والفراق لديه عذاب ونار ملتاع ويحس حين الفراق کل أبواب مغلق أمامه وليس سبيل إلي السعادة:
أزف البين وقد حان الذهاب
هذه اللحظة قدّت من عذاب
أزف البين وهل کان النوي
يا حبيبي غير أن أغلق باب
[26].
و نري صورة فراشة من الدموع وحامت فوق عرش من الورد [27]وهي مائلة سائلة وتکوّنت من النور والندي وتهفو إلي منهل عذب [28]وهذه الفراشة السائلة [29]بها [30]مثل ما بالشاعر من الحزن القاتل والکآبة الشديدة والظمأ المهلک: [31].
ما راع قلبي منک إلا فراشة من الدمع حامت فوق عرش من الورد
مجنحة صيغت من النور الندي ترفّ علي روض وتهفو إلي ورد
بها مثل مابي يا حبيبي وسيّدي من الشجي القتال والظما المردي
[32].
هذا النسق بعناصره المرکبة ودلالاته المتجددة صورة خاصة ومستمدة من رويته المنفردة وتعدّ ابدعاً بصاحبها.
الحزن في الاحساس المأسوي بالحيا‌‌ة:
أزمة الفرد التي يصوّرها ناجي من خلال شعره تتجأوز محنة الفرد إلي قضية الإنسان معذّباً في روحه ولسيت صحيحاً انّ الازمه ازمة عاطفية فحسب وانّما هي ازمة ماديّة حقيقية انعكست في تلك الصورة العاطفية ويري الحياة مقفرة والعمرسراباً ولايجد في الكون «ثقباً من رجإ » فكل سعادة فيها تنتهي إلي الألم وكل نعيم فيها إلي الشقاء والحرمان وانّ المخترعات الحديثة تفني الإنسان ولاتسعده ولاسبيل فيها إلي اماله وفي الحياة مذلة من اجل حصول علي ما يساعد مواصلة الحياة ويستر الشقاءالعاطفي عذابات مادية اخري في الحياة. يواكب هذا الاحساس المأسوي بالحياة كثرة تردد مفهوم الغربة ولوازمها المعنوية من الوحد‌‌‌‌ة واليأس بما يوحي بانّ « هذه الدنيا هجير كلّها» وحين احسّ مرارة الواقع وخشونة الحياة وعدم القدرة علي التصدي لقسوتها جسّد ضيقه في الحياه ويأسه منها في روية رومانسية لها اطار فكري خاص [33].
وقد نري في شعره المفارقة الشديدة والتناقض المعنوي حيث يحسّ الجمال مع الزوال والحياة معا و الموت مع النقمة في آنٍ واحدٍ ولكن إحساسه بالجانب السلبي من هذا الجدال أكثر حدّة كما يقول في قصيدة «الحياة» [34].
انظرإلي شتي معاني الجمال
منبثّة في الأرض أوفي السماء

ألاتري في كل هذا الجلال
غير نذيرٍ طالع بالفناء
[35].
وهذه الظاهرة تؤكد إحساسه المتواتر بالفناء ومشاعره المطّردة التشا‌ؤم .
شاعرنا حين إرتطم بصوبات الحياة عاد محطماً يائساً يضغط عليه خيبة الأمل والملل كما يقول في قصيد ة الأطلال :
ألمح الدنيا بعيني سئم وأري حولي اشباحَ الملل
راقصات فوق أشلاء الهوي معولات فوق أجداث الأمل
[36]
ويري الكون قبراً ضيقاً فيه ظل اليأس والخيبة وليست الدنيا وما فيها الاّأكاذيب وأخيلة دون حقيقة وتبدو واهياً كخيوط العنكبوت « إنّ أوهن البيوت كبيت العنكبوت » [37].
قد رأيتُ الكون قبراً ضيقاً خيّم اليأس عليه والسكوت
ورأت عيني أكاذيب الهوي واهيات كخيوط العنكبوت
[38].
وحينما يغني أناشيد المني ردت إليه نواح ولا يجد سبيل إلي وصال آماله فهذا العيش شجو عنده :
يا نداء كلما أرسلته رُدّ مقهوراً وبالخظ ارتطم
وهتافاً من أغاريد المني عادَ لي وهو نواح وندم
ربّ تمثال خيالِ وسنا لاحَ لي والعيش ُشجو وظلم
[39].
وأيضاً :
عييتُ بالدنيا أسرارها وما احتيالي في صموت الرمال
أنشد في رائح أنوارها رشداً فما أغنم الاّ الضلال
[40].
يعتقد أن المخترعات الحديثة لاتسعد الإنسان قدر ما تقضي علي وجوده وآماله وهذه المخترعات وسيلة لقتال الإنسان لا أداة سعادته كما يقول في قصيدة الحياة:
أنظر إلي سيارة كالاجل تخطف خطفاً لاتبالي الزحام
هذا الردي الجاري اختراع الرجل هل بعدصنع الموت شيء يرام
[41].
الرجل هنا هو الإنسان والسيارة القاتلة هي المخترعات الحديثة التي تقتل البشر .
ويعاني من أزمة الحياة بما فيها من تنازعات وكفاح حتي يتالّم قلبه وتجري دموعه حين يري بؤس الفقراء في الحصول علي الرغيف:
وارحمتاه للفوي الصبور يقضي الليالي في كفاح سخيف
وكيف لاأبكي لكدحِ الفقير أقصي مناه أن ينال َالرغيف
[42].
وتارة يعكس شعره إحساساً عالي الدرجة بالمذلة في الحصول علي ما يساعد الإنسان لمواصلة الحياة وفي سبيل الزاد والمأ كل:
كم صحتُ إذا أبصرت هذا الجهاد ومبتسم الذلة فوق الجباه
يا حسرتا ممّا يلاقي العباد أ كلّ هذا في سبيلِ الحياة
[43].
وأيضاّ يقول:
وفي سبيل الزاد والمأکل نملأ صدرالأرض اعوالأ
کم يسخر النجم بنا من علٍ وکم يرانا الله اطفالاً
[44].
الدنيا جسر يعبّرفيها الإنسان إلي دار النعيم والسعادة ولکن هذا الجسر عند ناجي جسر من لهيب وليس عنده نصيب في هذه الدنيا :
حان حرماني فدعني يا حبيبي هذه الدنيا ليست من نصيبي
آه من دار النعيم کلّما جئتها اجتاز جسراً من لهيبي
ويري ما في الحياة من التعساء والحرمان بسبب المقادير وإرادتها وليست بإرادة الإنسان کما يقول :
يا حبيبي کلٌّ شيء بقضا ء ما بايدينا خلقنا تعساء
ربما تجمعنا أقدارنا ذات يومٍ بعد ما عزّ اللقاء
فإذا أنکر خلّ خله وتلاقينا لقاء الغرباء
ومضي کلّ إلي غايته لاتفل شيئاً أو قل لي الحظ شاء
[45].
الحزن في سبيل الوطن :

بعد الحرب العالمية الثانية ألقت الحرب بظلالها القاتمة علي مصر إذا تاثّر ناجي بالظلام الذي غمر ليالي القاهرة وأوحت هذه الليالي لناجي بمعانٍ وجدانية أخري ودخل في حياته حب جديد وينتقل إلي مستوي آخر في الرمز والدلالة وإلي الغزل العجيب ليس سوي معادل موضوعي لحبّ آخر انّه غزل في حب مصر وحسرة علي ما أصيب به وحسرة أليمة علي سبيلها وعدم القدرة علي تحقيق آمالها وقهر أعدائها .كانت شعوره بالوطنية في ضميره ومخيلته كما نري قصائده في الظلام، أنوار، مصرو...رغم يظن بعضٌ بأنّ بلاده لا يستاثر بنصيبٍ كبيرٍ لديه.
حب الوطن عندالرومانسيين اديبا أو شاعرا ًيأخذ سمة التوهج العاطفي فرحاً أو حزناَ ،غناءً أو بكاءً ، فالرومانسي حين يعبر عن الوطن وعن مشاعره حول حب الوطن ، هذا التعبير يأخذ شكل الفرحة الصادقة أو النداء الحماسي أو البكاء الحزين ، نجده يتأرجح بين حالتي الرضا و الحزن كما ناجي يحس فقد الأمل حول الوطن ورغم حبه الشديد لمصرونداءاته المتكررة لابنائها يستسلم إلي حالة من اليأس والحزن وفي هذه السمة نراه يستعين «بالمعادل الموضوعي» أداةً للتعير غير المباشر عن يأسه وهو مستوي اقرب إلي الرمز بمعناه الاصطلاحي.
[46].
مهما يكن الأمر ناجي يحسّ في داخله شعر الفيّاض من الوطنية وكان في الوطنية مثالاً للشاعر الغيور علي تراثه والداعي إلي التجديد والابتكار .
کما يشدو أغنية حزينة علي مصر يشاهد فيها ظلاماً دائماً ولفّها رکود وحيرة وابهامٌ :
..
كانّ علي مصر ظلاماً معلّقا باخر من خابي المقادير مربدّ ا
ركود وإبهام وصمت ووحشة وقد لفّها الغيب المحجب في برد
[47].
ومصرليس فيها سامر ولا شاعرٌ [48] وطال الفراق بينها وفقدانها [49] كفقدان الربيع وعودة إلي السقم والإعياء :
أيأ مصر فيك العشّيةسامر ولا فيك من مضغٍ لشاعرك الفرد
أهاجرتي طال النوي فارحمي الذي تركت بديد الشمل منتثر العقد
فقدتك فقدان الربيع وطيبه عدت إلي الإعياء والسقم والوجد
وليس الذي ضيّعت فيك بهيّن لا أنت في الغياب هينة الفقد
[50].
و يخاطبها في مقام حبيبته :
بعيينك أستهدي فكيف تركتني بهذا الظلام المطبق الجهم استهدي؟
بحبك أستشفي فكيف تركتني و لم يبق غير العظم و الروح و الجلد؟

وايضاَ:
وكنت إذا انهارالبناء رفعته فلم تكن الأيام تقوي علي هدّي
كنت إذا ناديت لبيت صرختي فوا أسفا كم بيننا إليوم من سدّ
[51].
تحيّةٌ علي دار الحبيبة وعلي الخواطر وعلي الأمسيات وفيها تذكرةٌ لكل الذين ساروا إلي الخلد علي الدم والاشواك ومضوا بعد ان نقشوا الاسماء الخالدة في الحجر الصلب وكل هذه الدموع في سبيل المجد:
ويا دار من أهوي عليك تحّية علي أكرم الذكري علي أشرف العهد
علي الأمسيات الساحرات ومجلس كريم الهوي عفّ المآ رب والقصد
تنادمنا فيه تباريح معشر ٍ علي الدم والأشواك ساروا إلي الخلد
دموع يذوب الصخر منهاان مضوا فقد نقشوا الأسماء في الحجر الصلد
وماذا عليهم إن بكوا أو تعذّبوا فإنّ دموع البؤس من ثمن المجد
[52].
الحزن لفقدان الأعزاء:
القصائد التي نظمها ناجي في مناسبات تتضمن الرثاء ، المدح ، الهجاء والرثاء يحدث أحياناً علي حساسيته وعمق عاطفته ان تعصي دموعه في الرثاء .
ليس لشاعرنا باعٌ طويل في الرثاء وطرقَ هذا الباب علي ندرة ولكن نجد في بعضها لوعة صادقة وانيناً موثراً .من قصائده في الرثاء نري رثاء شوقي في أربع قصائد .الأولي ألقاها علي قبره والثانية في تلبينه والثالثة والرابعة في حفلٍ الذكري لمرور عام علي وفاته ونشاهد في قصيدة « في ساعة التذكار » ألقاها في حفل جماعة الأدب المصري في الاسكندريه وقصيدته ألقاها علي قبره حرقة ولوعة حيث يبكي بلهفة الحزين [53].
وفي رثائه لخليل مطران نجده شاعراً ملتاعاً حزيناً ولكنّه قصير النفس ولم يكتمل نموها لتصيرقصيدة كاملة لأنّ رثائه لم يزد علي ثلاثة ورغم قلّتها تعد في العالم الرثاء اكبر برهاً علي الحساس الفيّاض بالمودة والألم. [54].
أيضاً نري في ديوانه القاهرة رثائه للشاعر محمد الهراوي
في رثائه لشوقي وقصيدته التي ألقاها علي قبره يبكي عليه ويتاسّف لمصر والشرق الأوسط لفقدان من هوقمة الشعراء والأدباء :
قل للذين بکوا علي شوقي النادبين مصارع الشهب
والهفتاة لمصر والشرق ولدولة الأشعار والأدب
[55].
في ذهابه ذهبت الدنيا إلي اللحد وهو صحيفة المجد إلي الخلد ولايفني:
دنيا اليوم في لحدٍ وصحيفة طويت من المجد
ومسافر ماضٍ إلي الخلد سبقته آلاءٌ بلا عد
[56].
وربما دفين وفقيد جعل ما حوله يقطر أسي ولوعة حتي هذه الصحراء جرت لها الأحزان:
َ
يا نازل الصحراء موحشة وريّانة بالصمت والعدم
سالت بها العبرات مجهشة وجرت بها الأحزان من قدم
[57].
يعلو في رثائه ويشتد في وصف بلائه ويجعل يوم وفاة شوقي أول أيام الحزن :
کانّ يومک في فجيعته هوأول ايام في الشجن
کانما الباکي بدمعته مإذا قلبک لوعة الحزن
[58].
وأيضا يقول:
فاذهب کما ذهب النهار ومضي قد شيعته مدامع الشفق
وأغرب کما الشعاع قضي ورفت عليه جوانح الغسق
[59].
ومرة يشبهه أمة ذهبت أو بنور العين فانطفا:.
أما کنت إلا أمة ذهبت والعبقرية أمة الأمم
أو شعلة أبصارنا خلبت وضاء نصبت علي علم
[60].
ولم يترک ناجي مکانه في هذه المرثيه ويؤکد بأنّه سوف يفيه حقه من الرثا فيما بعد کما نري في قصيدته ‹‹ساعة التذكار››
لکنّ حزني لوعلمت به لم يبق لي صبراً ولا جهداً
فاعذر إلي يوم نفيک به حقّ النبوغ ونذکر المجد
[61].
النتيجه:

تبين لنا أنّ ناجي في دراساته جمع بين نتاج الرومانسيين العظام في الأدبين الإنجليزي والفرنسي والبدايات الرومانسية العربية کما بلغتها محاولات خليل مطران وجماعة أبولو في مصر وهذه الإتجاهات أتّرت في شعره حيث اتجه إلي النزعة الوجدانية ويزخر شعره بالوجد کما يفيض بالذوبات الإنساني .
کما يقول ناجي الشعر عنده هو النافذة التي يطل منها علي الحياة والبلسم الذي يداوي به جراح نفسه .يعدّ أسلوبه من أرقي الأساليب في المدرسة الکلاسکية المجددة تحت راية الإبتداعية فهو يحب الإحتفاظ بأصول اللغة وأساليبها في حرية مجدداً في التجوز بالألفاظ عن معانيها الحقيقية .
الألفاظ خير تعبير عن الحالمة المفعمة بالألم والحيرة ونراه غارقاً في اجواء تامّله ونري المرأة في شعره هي الإنسانية الکريمة التي يحرص علي انسانيّتها وهو صادق في تعبيره عنها وتغمر قصائده رقة عاطفية وشعور حب دافقٍ و حزين .في جانب آخريمدّ نظره إلي العالم ويتيه في الدنيا ولايعلم عنها إلا الظلال ونجد بعض التناقضات في رايه حول الکون يبدو الجاب السلبي اکثر حدّةً ولا يري في الحياة الا ما يزيده الشکوي ونري مشاعره حيناً آخر حول وطنيته وهو في حبه إلي الوطن شاعر غيور ويستعين بالمعادل الموضوعي أداة لتعبير غير المباشر عن ألمه مع عناصره ودلالاته المتجددة . وقد نري أيضاّ حزنه في رثائه ولولم يکن شاعر رثاءٍ ولکن نجد احياناً إحساسه الفياض بالمودة والألم کما نقرأ حول أحمد شوقي.




فهرس المصادر والمراجع:
القرآن الکريم .
إمروالقيس،[[ابووهب،جندح) :الديوان، عبدالرحمن المصطاوي،دار المعرفة، بيروت،الطبعة الرابعة ،1429ه ق/2008م 0
خفاجي محمد عبدالمنعم : دراسات في الأدب الغربي الحديث ومدارسه، دار الجيل ، بيروت، ط1، 1992م.
خفاجي محمدعبدالمنعم قصةالأدب المعاصرفي مصرالحديثة،المطبعة المنيرية، لاط،1956م0
خورشا صادق: مجاني الشعر العربي ومدارسه، سمت ، طهران، ط3، 1386.
رضوان محمد :إبراهيم ناجي شاعر الطلال وأحلي قصائده العاطفية، دار الکتاب العربي ، دمشق ، القاهرة، ط1، 2004م.
الشابي ابوالقاسم : ديوان أغاني الحياة، دار صادر، بيروت، ط1، 1996م.
ضيف شوقي : الأدب العربي المعاصر في مصر ،دار المعارف، القاهرة ، ط10، 1992م.
عويضة الشيخ کامل محمد محمد: إبراهيم ناجي شاعر الطلال، دار الکتب العلمية، بيروت، ط1، 1993م. #- الفاخوري حنا : الجامع في التاريخ الأدب العربي ،منشورات ذوي القربي، قم، ط2، 1424ه.ق/1382ه.ش .
فلسطين وديع: ناجي حياته واجمل اشعاره. دارومطابع المستقبل بالفجالةوالاسکندريةوموسسة المعارف، بيروت، لاط ،لاتا.
المتنبي [[ابوالطيب ، احمد بن الحسين الجعفي): الديوان، ابوالبقاء العکبري، دار المعرفة، بيروت،لاط، لاتا.
مجنون ليلي،[[ قيس بن الملّوح): الديوان،الدکتور يوسف فرحات، دار الکتب العربي ، بيروت، لاط، 2005م.
ناجي إبراهيم: الديوان ، دارالعودة، بيروت،لاط، 2008م .
وادي ، طه:جمإليات القصيدة المعاصرة، دارالمعارف، القاهرة، ط3، 1994م.
وادي طه: شعر ناجي الموقف والاداة، دار المعارف، القاهرة، ط4، 1994م.


[1] قصيدة الاطلال، الوداع، الحياة، في الظلام، رثاءشوقي

[2] خورشا،1386ش:ص143

[3] الفاخوري،1424ق:661/2

[4] خفاجي،1956م:ص58 و وديع فلسطين ، لاتا: ص96

[5] قصيدة دعابات نموذجاً

[6] وادي،1994م:ص225

[7] وادي،شعرناجي الموقف والأداة،1994م:ص156

[8] رضوان،2004م:ص111

[9] عويضة،1413ق:ص145

[10] خفاجي،1412ق:ص108

[11] امرؤالقيس،2008م:ص489

[12] مجنون ليلي،1425ق:ص50

[13] المتنبي،لاتا:ص239

[14] الشابي،1996م:ص202

[15] عويضة،1993م:ص178

[16] مصر

[17] رضوان،2004م:ص13

[18] ناجي،2008م:ص132

[19] نفسه:ص132

[20] نفسه:ص132

[21] نفسه،ص132

[22] نفسه:ص136

[23] نفسه:ص136

[24] نفسه:ص141

[25] نفسه:ص34

[26] نفسه:ص36

[27] الخدود

[28] الفم

[29] الدموع

[30] الحبيبة

[31] وادي،شعرناجي الموقف والأداة،ص107

[32] ناجي،2008م:ص119

[33] وادي،شعرناجي الموقف والأداة،1994م:ص57

[34] نفسه:ص59

[35] ناجي،2008م:ص21

[36] نفسه:ص134

[37] العنکبوت/41

[38] ناجي،2008م:ص137

[39] نفسه:ص142

[40] نفسه:ص20

[41] نفسه:ص22

[42] نفسه:ص23

[43] نفسه:23

[44] نفسه:ص23

[45] نفسه:23

[46] وادي،شعر ناجي الموقف و الأداة،1994م:ص120

[47] ناجي،2008م:ص120

[48] اشار الشاعر إلي نفسه

[49] مصر

[50] نفسه:ص121

[51] نفسه:ص123

[52] نفسه:ص123

[53] عويضة،1993م:ص72

[54] نفسه:ص75

[55] ناجي،2008م:ص63

[56] نفسه:ص63

[57] نفسه:ص63

[58] نفسه:ص63

[59] نفسه:ص64

[60] نفسه:ص64

[61] نفسه:ص64
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://daifi.montadarabi.com
 
الحزن والألم في شعر إبراهيم ناجي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
حدائق اللغات والعلوم الإنسانية :: منتديات اللغة العربية و آدابها :: النقــد الأدبــــي-
انتقل الى: