حدائق اللغات والعلوم الإنسانية

منتدى تعليمي أدبي تربوي تثقيفي
 
البوابةالرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مختاراتي من مقالات مصطفى صادق الرافعي[01]

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مصطفى بن الحاج

avatar

عدد الرسائل : 6067
العمر : 53
المنطقة : السوقر ولاية تيارت
المهنة /مكان العمل : أستاذ اللغة العربية و آدابها/ثانوية قاديري خالد
تاريخ التسجيل : 27/04/2008

مُساهمةموضوع: مختاراتي من مقالات مصطفى صادق الرافعي[01]   السبت 18 أكتوبر 2008 - 15:00






إن ما كتبه مصطفى صادق الرافعي علمني شيئا من البلاغة و التصوير و هداني إلى تعلم قوة التفكير و بعث في نفسي إدراك قيمة الفن و الجمال و كنت لا أنام إلا و في نفسي - بعد كتاب ربي و سنة نبي محمد عليه الصلاة و السلام - شيء من وحي القلم و شيئ من رسائل الأحزان و أوراق الورد ، و غير ذلك مما قال فيه بعض المعجبين بأسلوب الرافعي "إنه تنزيل من التنزيل"
و إدراكا مني لهذه التحف البيانية التي ستساهم - و بشكل غير مباشر- في تنمية الحس الجمالي للقارئ أردت أن يشاركني ذلك القارئ المحظوظ فيما أشركني فيه الرافعي من جمال و فن و علم و إليكم على جناح السرعة مقالاته من بعض كتبه و أبدأ-على بركة الله
بأوراق الورد





أولا: بين يدي الرسائل




إن أوراق الورد طائفة من رسائله هو ولكنها رسائل لم تذهب إليها مع البريد بل كانت من الرسائل التي كان يناجيها بها في خلوته ويتحدث بها إلى نفسه ....إلا رسالتين أو ثلاثة مما في أوراق الورد.....فلما أتم تأليقها وعقد عقدتها بعث بها إليها في كتاب مطبوع بعد سبع سنين من تاريخ الفراق...
ولكن أوراق الورد ليس كله من وحي صاحبته فلانة وليست كل رسائله في الكتاب إليها فهناك فلانة اخرى هناك صاحبة حديث القمر تلك التي عرفها في لبنان منذ تسع عشرة سنة وهنا هذه...
هما اثنتان لا واحدة تلك يستمد من لينها وسماحتها وذكرياتها السعيدة معاني الحب التي تمل النفس بأفراح الحياة وهذه يستوحيها معاني الكبرياء والصد والقطيعة.
يبدأ أوراق الورد بمقدمة بليغة في الأدب يتحدث المؤلف فيها عن تاريخ رسائل الحب العربية بأسلوب هو أسلوبه واحاطة هي احاطته وسعة اطلاع لا تعرف لغيره وهذه المقدمة وحدها باب طريف من أبواب الأدب تذكر قارئها ذلك النهج البارع الذي نهجه الرافعي المؤرخ في كتابه تاريخ آداب العرب.
ثم مقدمة الرسائل وفيها سبب تسمية الكتاب ثم يمضي في هذه المقدمة يتحدث عن حبه وآلامه في الحب ورأيه فيه.
من أراد أوراق الورد على أنه قصة حب في رسائل لم يجد شيئا......
ومن أراده رسائل وجوابها في معنى خاص لم يجد شيئا ............
ومن أراده للتسلية وإزجاء للفراغ لم يجد شيئا.....
ومن أراده نموذجا من الرسائل يحتذيه لم يجد شيئا........
ومن أراده قصة قلب ينبض بمعانيه على حاليه في الرضا والغضب ويتحدث بأمانيه عن حاليه في الحب والسلوان وجد كل شيئ....
وكما تجد الأم سلوتها في ولها العزيز عن الزوج الحبيب الذي طواه الموت ............
وجد الرافعي العزاء في أطفال معانيه عن مطلقته العنيدة
لقد فارقها لكنه احتواها في كتاب............
يرحمه الله لقد مات ولكن قلبه ما زال حينا ينبض يتحدث عن آلامه وأشواقه في قلب كل محب يقرأ كتابه فيجد فيه صورة من قلبه وعواطفه وآماله....




زجاجة عطر




وأهدى لها مرة زجاجة من العطر الثمين وكتب معها….
يا زجاجة العطر :اذهبي إليها وتعطري بمس يديها وكوني رسالة قلبي لديها…
وها أنذا أنثر القبلات على جوانبك ، فمتى لمستك فضعي قبلتي على بنانها ، وألقيها خفية ظاهرة في مثل حنو نظرتها وحنانها، والمسيها من تلك القبلات معاني افراحها في قلبي ومعاني أشجانها..
وها أنذا اصافحك فمتى أخذتك في يدها فكوني لمسة الأشواق ..وها أنذا أضمك إلى قلبي فمتى فتحتك فانثري عليها في معاني العطر لمسات العناق.
إنها الحبيبة يا زجاجة العطر وما أنت كسواك من كل زجاجة ملأت سائلا ، ولا هي كسواها من كل امرأة ملأت حسنا ، وكما افتتنت الصناعة في إبداعك واستخراجك افتتنت الحياة في جمالها وفتنتها…حتى لأحسب أسرار الحياة في غيرها من النساء تعمل بطبيعة وقانون، وفيها وحدها تعمل بفن وظرف وأنت سبيكة عطر كل موضع منك يأرج ويتوهج ،وهي سبيكة جمال كل موضع فيها يستبي ويتصبى؟
وما ظهرت معانيك إلا أفعمت الهواء من حولك بالشذا ، ولا ظهرت معانيها إلا افعمت القلوب من حولها بالحب .
وكلتاكما لا تمس أحد منهما إلا تلبس بها فلا يستطيع أن يخلص منها.
أنت عندي أجمل أنثى في الطيب من بنات الزهر ، وهي عندي أجمل أنثى في الحب من بنات آدم..
قولي لها يا زجاجة العطر إنك خرجت من أزهار كأنها شعل نباتية ، وكانت في الرياض على فروعها كأنه تجسمت من أشعة الشمس والقمر فلما ابتعتك وصرت في يدي ، خرجتِ من شعل غرامية وأصبحت كأنك تجسمت من أِواقي وتحياتي ولمسات فكري، ولذلك أهديتك…
وقلي لها إن شوق الأرواح العشقة يحتاج دائما إلى تعبير جميل كجمالها ، بليغ كبلاغتها ينفذ إلى قلب الحبيب بقوة الحياة سواء رضي أو لم يرض وهذا الشوق النافذ كان الأصل الذي من أجله خلق العطر في الطبيعة ، فحينما تسكب الجميلة قطرة من الطيب على جسمها ، تنسكب في هذا الجسم أشواق وأشواق من حيث لا تدري ولا تدري …ولذلك بعثتك..

وقولى لها انك اتساق بين الجمال والحب، فحين تهدَي زجاجة العطر من محب إلى حبيبته فإنما هو يهدي إليها الوسيلة التي تخلق حول جسمها الجميل الفاتن جو قلبه العاشق المفتون ولو تجسم هذا المعنى حينئذ فنظره ناظر لرآها محاطة بشخص أثيري ذائب من الهوى واللوعة يفور حولها في الجو ويسطع ولذلك يا زجاجة العطر أرسلتك…..
أيها العطر كانت أزهارك فكرة في فن الحسن توثبت وطافت زمنا على مظاهر الكون الجميلة كي تعود آخرا فتكون من فن الحب وفي ذلك مازجت الماء العذب ولامست أضواء القمر والنجوم وخالطت أشعة الشمس واغتسلت بمائة فجر منذ غرسها إلى إزهارها لتصلح بعد ذلك أن يمس عطرها جسم الحبيبة ويكون رسالة حبي لديها…
أيها العطر لقد خرجت من أزهار جميلة وستعلم حين تسكبك على جسمها أنك رجعت إلى أجمل أزهارك وأنك كالمؤمنين تركوا الدنيا ولكنهم نالو الجنة ونعيمها…





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مصطفى بن الحاج

avatar

عدد الرسائل : 6067
العمر : 53
المنطقة : السوقر ولاية تيارت
المهنة /مكان العمل : أستاذ اللغة العربية و آدابها/ثانوية قاديري خالد
تاريخ التسجيل : 27/04/2008

مُساهمةموضوع: مختاراتي من مقالات مصطفى صادق الرافعي[02]   السبت 18 أكتوبر 2008 - 16:00




القمر

وكانت تأنس بضوء القمر ويعجبها نوره على الحديقة خاصة فسألته مرة أن يناجي هذا الجميل في رسالة فقال حبا وكرامة..(للقمر) وكتب:
إني لأراك أيه القمر منذ عقلت معاني ما أرى ولكنني لم أعرف أنك أنت كما أنت إلا بعد ان وضع الحب فيها بينك وبين من اهواها كما يوضع التفسير إلى جانب الكلمة الدقيقة …
عندئذ وصلتك قرابة الجمال بوجهها فاتصل بك شعوري وبت على بعدك في أفلاك السماء تسبح أيضا في دائرة قلبي واستةيت متسقا كأن عملك لي أن تتم فن جمالها بإظهارها أجمل منك وأمسيت عندي ولك مثلها شكل السر المبهم المحيط بالنفس المعشوقة ، يدخل كل جمال في تفسيره ولا يكمل تفسيره أبدا…
ومن شبهك بوجهها أزهر الضوء فيك ما يزهر اللحم والدم فيها، فتكاد أشعتك تقطف منها القبلة ، ويكاد جوك يساقط من نواحيه تنهدات خافته وتكاد تكون مثلها يا قمر مخلوقا من الزهر والندى وأنفاس الفجر…
أما قبل حبها فكنت اراك أيها القمر بنظرات لا تحمل أفكارا …
كنت جميلا ولك جمال ورق الزهر الأبيض وكنت في رقعتك المضيئة تشبه النهار مطويا بعضه على بعض حتى يرجع في قدر المنديل…وكنت ساطعا في هذه الزرقاء ولكن سطوع المصباح الكهربائي على منارة قائمة في ماء البحر وكنت زينة السماء ولكن كما تناط مرآة صغيرة من البلور إلى حائط فتشبه من صفائها موجة ضوء أمسكت ووضعت في إطار معلق..
وكنت يا قمر ...كنت ملء الوجود ولكنك ضائع في فكري...
وأما بعد حبها فأمسيت أراك أيها القمر ولست إلا طابع الله على أسرار الليل في صورة وجه فاتن كما أن كل وجه معشوق هو طابع الله على أسرار القلب الذي يحبه..
فأنت فاتن تحاكي في ضوئك وجهها لولا أنك بلا تعبير..
وانت ساطع بين النجوم ولو تجسمت صورة من أجمل ضحكات ثغر معشوق لكانتك ولو تجسمت القبلات المنتثرة حول هذا الثغر لكانتها..
وأنت زينة السماء ولكن السماء منك كمرأة سحرية اطلعت فيها حورية من حور الجنة فأمسكت خيال وجهها في لجة من النور ، فأنت خيال وجهها..
وأنت يا قمر .....أنت ملء الوجود ولكنك أيضا ملء فن الحب
أتذكر أيها القمر إذ طلعت لنا في تلك الحديقة وتفيأت بنورك عليها فغمرت أرضها وسماءها بروح الخلد حتى وقع في وهمنا انك وصلتها من سحر أشعتك بطرف من أطراف الجنة فهي ناحية منها..؟
أتذكر وقد رأيتك ثمة قريب من الحبيبة تصب عليها النور حتى خيل إلى أنها إحدى الحور العين متكئة في جنتها على رفرف خضر وقد وقف لخدمتها قمر..

أتذكر إذ نزلت علينا بآيات سحرك فخيلت لي أن العالم قد تحول فيها هي إلى صورة جميلة مرئية أمست لي وحدي فملكت العالم كله في ساعة من حيث لم أملك إلا الحب..
أتذكر ساعة جئتها بها من فوق الزمن وكان فيها للحديقة جو من زهر وجو من قمر وجو من امراة أجمل من القمر ومن الزهر..
أترى يا قلبي كأن في الوجود الذي حولنا أنوثة وذكورة فهو بالقمر تحت الليل يعبر عن نفسه تعبيرا نسائيا في منتهى الرقة ، لأنه قوي شديد وفي غاية التفتر لأنه مشبوب متضرم وفي غاية الدلال، لأنه في كمال الإغراء وفي أقصى الحياء ، لأنه يبعث بهذا الحياء فيما حوله أقصى الجرأة...
تعبير امرأة معشوقة جميلة ترف بأندائها وليس فيها إلا صفات...
وبالشمس على النهار يعبر الوجود عن نفسه تعبير رجل مقدام ليس فيه غير القوة والحركة والاندفاع ..
تعبير رجل جبار يحمل عزائمه التي يحترق بها وليس فيه إلا صفات النار(في الهامش: هذا رأي لنا لم نجده لأحد فكأن من المرأة مظلمة أبدا كليالي المحاق ومنها مضيئة ولكن على تفاوت باختلاف الأسباب ومنها ليلة البدر وهي الحبيبة عند محبها...كلها جمال ووحي وضوء ورقة وسحر...)
أترى يا قلبي كأن مدينة الحياة في النهار بصراعها وهمومها تحتاج إلى قفر طبيعي يفر إليه أهل القلوب الرقيقة بضع ساعات، فلذلك يخلق لهم القمر صحراء واسعة من الضوء يجدون فيها بعد تلك المادية الجياشة المصطخبة روحانية الكون وروح العزلة وسكينة الضمير ويدو فيها كل ما يقع عليه النور كأنه حي ساكن بفكر..
أترى ياقلبي كأن ضوء القمر صنع صنعة بخصائصها ليبعث في القلوب معاني القلوب الروحية من الفكر والحب كما صنع نور الشمس ليبعث في الأجسام قواها ومعانيها المادية من الحياة والدم..
أترى يا قلبي كأن هذا القمر يلقي إنما يلقي النور على الحلم الروحاني اللذيذ الغامض الذي يحلم به كل عاشق من أول درس في الحب ساعة ترسل الحبيبة إلى قلبه رسالة عنها ، ولا يحلم بمثله في غير العشاق إلا أعظم الفلاسفة ، وفي آخر دروس فلسفته وبعد أن تكون الليالي الطويلة قد أطلعت في سماء عمره قمر الشيخوخة من شعره الأبيض...
أترى ياقلبي أن هذا القمر تليسكوب يكبر صوره العواطف حين تبث في ضوئه فلا يطلع على الحبيبين أبدا إلا كبر أحدهما في عين الآخر..
أترى ياقلبي إنه ليس في الحب إلا عواطف مكبرة يثيرها دائما وجه الحبيب فلابد أن يكون وجه الحبيب طالعة فيه روح القمر؟؟
أتى يا قلبي.....آه أترى....






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مصطفى بن الحاج

avatar

عدد الرسائل : 6067
العمر : 53
المنطقة : السوقر ولاية تيارت
المهنة /مكان العمل : أستاذ اللغة العربية و آدابها/ثانوية قاديري خالد
تاريخ التسجيل : 27/04/2008

مُساهمةموضوع: مختاراتي من مقالات مصطفى صادق الرافعي[03]   السبت 18 أكتوبر 2008 - 16:08





صلاة في المحراب الأخضر




شجراتي
"ولما غضبت ويبس ما بينهما ضاق بهجرها فانصرف إلا شجرات كان يخلو إلا نفسه في ظلها ونضرتها ونسميها وما فيها وما حولها وظن أنها تنبت شيئا في جدب الهوى أو ترمي بظل على رمضاء القلب فكان في وهمه كالذي يحاول أن يجد نساء من الشجر ..وهناك كتب هذه الرسالة في الربيع ...والتي بعدها في الشتاء.....
لي صديقات نم الشجر أعرفهن ويعرفنني منذ سنوات وهن ينزلن مني بعض الأحيان منزلة الحب لأن فيها شيئا من دلال النساء الخفرات أجد أثره في قلبي ولا أجد برهانه على لساني فإذا هممت أن أبن عنه وأبتغيه بالعبارة أخفته العبارة حتى لا يزيده البيان إلا غموضا وسوء معرض ولكن لكن إذا مضيت أفكر فيه تبينته أشد تبين فأحسست في ظلهن المستحي ونسيمهن المتنهد وغصونهن المنثنية شمائل حبيبة إلا نفسي ورأيت لها معاني لا تقع إلا في القلب ثم لا تقع نته إلا في الموضع الذي مسته يوما نفحة أو قبلة أو تنهد..
وإنما قيمة الأشياء بما فيها من أثر القلب أو بما لها من في القلب من أثر ولرب شيء تافه لا خطر له ولا غناء فيه ثم يكون في يد ك محب من حبيبه النائي أو الممتنع الهاجر فإذا هو قد تحول بموقعه من القلب إلى غير حقيقته فأطلعه الهوى من مطلع آخر ليس في الطبيعة فيرتفع ثم يرتفع حتى كأنه عند صاحبه ليس شيئا في الدنيا بل الدنيا شيء فيه ويكون ماهو كائن وينبعث منه روح ذات جلال أقل ما فيه أنه فوق الجلال الإنساني
هذه صغار الحياة حتى خالطها القلب أصبحت في الحياة أكبر كبائرها كأن قلب كل إنسان هو النقطة المحدودة له من الكون والكون كله مبعثر من حوله فلا بداية لشيء ولا نهاية لشيء ولا قرب ولا بعد ولا صغر ولا كبر ما يكون له قياس إلى القلب .........
والحب قدرة إنسان على قلب إنسان فهو من ثم قدرة قدرة على الكون التنصل بالعاشق وهو بهذه القدرة أشبه بألوهية لو ساغ في الظن أن توجد ألوهية عاجزة عن كل شيء إلا عن التصرف في مخلوق واحد وهو بكل ذلك إما حقيقة كبرى او سخرية كبرى.....
تقوم شجراتي على مسيل من الماء في قاصية بعيدة عن المدينة وتراهن فوق الماء صفا إحداهن إلى إحداهن كأن هناك بقعة من الجنة قامت فيها قصور الزمرد على طريق أرضها من الفضة البيضاء المجلوة .
وأراهن كلا سنة يتجردون من الأوراق ليكتسين أوراقا مثلها لا تخلفها في شيء من الهيئة ولا تباينها في معنى الطبيعة ولكن بين ما يخلعن وما يلبسن تزيد فيهن الحياة وتشب الروح وتتجدد القوة فتلقى الشجرة أوراقها وتستقبل الشتاء مقشعرة جرداء لتظهر في الربيع كاسية جميلة ، جديدة في حسنها تتبرج بروحها قبل ثيابها ، كالحسناء الفاتنه أو ما يتحرك في دمها الحب...
كذلك لا تتبرج الروح إلا خارجة من شقاء أو مقبلة على شقاء ، وما أشبه الحب في الناس بهذا الربيع في الشجر هو الطريق الأخضر يمتد إلى الجدب واليبس والألم وإما إلى غاية منسية مهملة في الجفاء أو السلوة!
و>هبت في ضحوة النهار إلى صديقاتي أحييهن كعهدي بين حين وحين وما أكرمه عهدا لمن لا يختلفن من ملل ولا يتغيرن من ك>ب ولا يتبدلن من خيانة فلما جئتهن تحفين بي وتناولن قلبي يمسحنه ويتحببن إليه واقبلن يغازلنه ويأخذن فيه مأخذ من تحب فيمن يحبها حتي لم أشعر منه إلا ما اشعر من زهرة فيها أرجها العاطر أو ثمرة فيها ماؤها الحلو أو نبتة فيها لونها الأخضر...
ونبهن فيه برفقهن هذه القوة المتواضعة المظلومة التي تتوجه بالإنسان إلى ربه فتكون عبادة وإلى الناس فتكون رحمة وإلى بعض الناس فتكون الحب،فإني لتحت ظلالهن الوارفة وكأنني من السمو لتحت اجنحة الملائكة ، وإني لمع أغصانهن النضرة وكأني من السرور أداعب أطفالا صغارا تبسم لي وإني لبين أنفاسهن وكأني من النشوة مع الخيال الذي اتخيل...
تجلت علي القوة التي تحول الشعاع إلى ظل ، والهواء إلى نسيم والزمن إلى ربيع فكنت في الشجر الصامت شجرة متكلمة وانسللت من الطبيعة إلى طبيعة غيرها ووقفت بين عفو الله وعافيته في هذا المحراب الأخضر ومن ٌلبي المتألم أرسلت إلى السماء هذه التسابيح ذاهبة مع تغريد الطير ..
يامن غرسني في الحياة كهذا الغراس بين الماء والنور ولكنه جعل جذوري كلها مستقرة مثله في الطين ..
يامن لا يؤتيني معنى شريفا ساميا على هذه الأرض إلا إذا عرفت بإزائه معنى وضيعا سافلا ، ولا ينضج ثماري ويحليها إلا بعد ان تنبت فجة مرة لا تذاق...
يا خلقني إنسانا ولكنه قضى على أن أقطع الحياة كلها أتعلم كيف أكون إنسانا ، كالبذرة : تقضي عمرها في إخراج شجرتها ونموها حتى إذا كملت الشجرة قطعت لأغراض أخرى غير التي من أجلها نبتت...
يا من وهب عبادة العقل بين هذه النواميس التي لا تعقل حتى لا يتم أبدا عقل إنسان ولا تكمل أبدا حكمة حكيم فيظل باب الخطأ مفتوحا لأكبر العقول واصغرها ، وتكون الحيرة قاعدة من قواعد العقل ، ليخرج من ذلك أن يكون التسليم قاعدة من قواعد القلب..
يا من جعل من شفائنا بالعلم داء آخر من العلم حتى لا يرتفع المضر من الأرض ولو صار اهل الأرض كلهم علماء....
يا من جعل النــاس في الحياة كأوراق الشجر ، من اليابسة التي تتقصف إلى جانب الخضراء التي ترف ، ثم إذا الناس جميعا كالأوراق جميعا ،يبست فارفتت(يعني تفتت) فطارت بها الريح تذروها فلا يعلم مستقرها ومستودعها إلا هو ..
ويامن خصني بهذا القلب العاشق الذي يتألم ويضطرب حتى عندما ألمس كتابا أعرف ان فيه قصة حب وهو مع ذلك يتكبر على كل آلامه ولا يخضع أبدا إلا جوابا على خضوع آخر فكأنه لا يدنيني ممن أحبهم إلا لأعرف ما أكرهه فيهم ، وهو من فرط رقته آلة إحساس جامدة لا قلب حي..!
ويامن جعل هذا القلب فيَّ كجناح الطائر لا يطير ولا يرتفع ولا يسمو ولا يتقاذف إلا إذا نشر هو جناحه الآخر فلا ابحث عن الحب لأجد الحبيبة وجمالها وحبها ، بل قوتي وسموي وكبريائي
يا إلهي :تقدست وتباركن، إني لا أنكر حكمة آلامي فما أنا إلا كالنجم :إن يسخط فليسخط ما شاء إلا ظلمة ليله التي تشب لونه وتجلوه ولولاها لما رأت العين شعاعة تلمع.....
لم تعطني يا رب ما أشتهي كما أشتهيه ولا بمقدار مني ، وجعلت حظي من آمالي الواسعة كالمصباح في مطلعه من النجوم التي لا عدد لها ولكن سبحانك اللهم لك الحمد بقدر ما لم تعط وما أعطيت ، لك الحمد أن هديتني إلى الحكمة وجعلتني أرى أن نور المصباح الضئيل الذي يضيء جوانب بيتي هو أكثر نورا في داخل البيت من كل النجوم التي ترى على السطح وإن ملأت الفضاء...
سبحانك اللهم ، إن هذا الشجر ليتجرد ويذوي ثم لا يمنع ذلك ان يكون حيا يتماسك ويشب وإنه ليخضر ويورق ثم لا يعصمه ذلك أن يعود إلى تجرده ويبسه ، فما السعادة أن نجد الزينة الطارئة ولا الشقاء أن نفقدها ، وما الشجرة إلا حكمة منك لعبادك تعلمهم أن الحياة والسعادة والقوة ليست على الأرض إلا في شيء واحد هو نضرة القلب..!
سبحانك ، إن الساخط على الحياة والحياة منك ، ليس إلا كورقة في شجرة قد بدا لها فسخطت شجرتها وعملها ونظامها ولونها وانتزعت نفسها وهوت في التراب لتخلق أوهامها وتخرج من نفسها على ما تحب شجرة جمال ولون وثمر فإذا هي اهون على الأرض والسماء من أن تكون إلا ورقة يابسة قد هلكت حمقا وارفتت رغما وهوانا
وضاعت فيما يضيع.
سبحانك .سبحانك.
اللهم لا تجعل ما يرفعني يقذفني.
ولا ما يمسكني يرميني.
ولا ما ينضرني يجفو بي..
ولما فرغت من ابتهالاتي ، اتكأت على حبيبة منهن وجعت أفكر وأنا أحس كأن كل شجرة تضع قبلة ندية على قلبي أو كأن غصنا مطلولا ينفض طل الصباح قطرات في دمي ..
وسالت نفسي: لم لا يكتس الشجر كل عام جنسا من الورق ، فإذا اخضر هذا العام احمر من قابل ، ثم يصفر في الذي بعده ، ثم يكتسي من الوشي الأزرق في الذي يتلوه ، ثم يطلع في الديباج الأسود وهلم إلى عدد الألوان خالصة او متمازجة؟؟
أذلك لأن الطبيعة عاجزة عن التفنن ، أم لأنها شحيحة مقتصدة ؟أم لأن تركيب العام قائم على أن تبقى الحقيقة قائمة كما هي لا تتغير ، ام لأن كل شيء يستمر على ونيرة واحدة ليظهر جانبا معينا من حكمة الله؟ فينشئ جانبا معينا من ذوق الإنسان وفكره ، أم العالم كله كلمات صريحة تقول لهذا الإنسان :...إنك أنت وحدك المتقلب المتلون؟

ثم مددت يدي فصرت غصنا من تلك الأماليد الناعمة اللينة، فإذا هو ريان تجد مس الماء في قلبه ، ولكنه اقبل في يدي بعد قليل على الموت وأنشأ يذوي مضمحلا ، فجعلت اتأمله فلم أرَ جزعا ولا خورا ولا إشفاقا من أمر يأتي ولا إشفاقا من أمر يأتي ولا حنينا إلى شيء مضى ، فعلمت أن القوة كل القوة ألا يجزع الحي ، فإذا هو لم يجزع يجبن ، وإذا أمن الجبن لم يستذله شيء ولم يكن الشقاء في رأيه شقاء بل مصادمة بالحياة لبعض نواميس الحياة ومضى كما هو جزءا على وضعه في الكل الذي هو فيه فتساوق مع الكل وبقوة هذا الكل ، فامن المنافرة واتقى على نفسه آلامها فإن لم ينعم بشيء فقد نعم بأنه راض مطمئن وما في المهنا أكثر من الرضا!
قال لي ذلك الغصن الأملد وهو يموت في يدي ويعاج سكراته : أيها الإنسان الضعيف ، هاأنت ذا تراني رؤية العين وتعرف بي سرعة انقطاع الحياة وتستيقن مني ان ما يجيء بطيئا يذهب حين يذهب سريعا، وأن طرفة عين من ساعة الموت تمسح السنسن الطويلة والعمر المتقادم وتقفل الباب على هذا العالم كله فكن غصنا في شجرة الحياة، ولكن اعلم مثلي أن الشجرة لا تعلمك مثبتا فيها بالمسامير ولا مشدودا إليها بقوة أزلية ، فلك منها المنبت على أن تمون قابلا للكسر ، ولك منها الزينة على أن تكون قابلا للتجرد وإنما أنت فيها كما أنت لتظهر فيك حقيقتها كما هي فليس لك أنت حقيقة .
أيها الإنسان ، إن للشجرة تماثيل يرفعها الله في كل مكان يوجد فيه الإنسان لتقول له كن دائما ذا فروع لتظلل بأبنائك موضعك من التاريخ ، كريما في حياتك تعطي مما تأخذ كن طاهرا تعرف كيف تستمد من كل شيء شيئا واحدا يعيش عليك ، كن مع جنسك مختلف الظاهر على جرثومتك وموضعك فذو ثمر أو زهر أو شوك....... ولكن ابق مع غيرك من الناس على قانون واحد.
يا شجراتي ما أنتن إلا من بعض صور الحب ولكن حبكن من النعمة والعافية ، إذ لا تنتهي في النفس معاني شهواتها ، بل معاني لذاتها فقط..
أنتن المثل الهنيء الذي لا بؤس فيه ولا حظ كالمعبد الذي تحمل إله الآلام والأوجاع لتنسى فيه هنية من الزمن ولهذا يقبل عليكن الحكماء وأهل النفوس الحاسة والطباع الرقيقة ، ياتون بالأنفس الذابلة والقلوب المتوهجة في ضعفة وسأم ليرجعو في هذه وهذه باللون الأخضر وبرح النسم في قوة عزيمة..
لا بؤس ولا حظ في القاعدة الطردة التي تجري على وتيرة واحدة وكن حين تختار الحكمة الإلية شخصا بعينه لتجري عليه الحكم الشاذ من القاعدة وتهيئ له الأحوال الشاذة فهناك إما حقيقة البؤس وإما حقيقة الحظ .وما أصل الهم والشقاء في الإنسان إلا أن كل إنسان يتمنى لنفسه ان يشذ من قاعدة ما..........





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مصطفى بن الحاج

avatar

عدد الرسائل : 6067
العمر : 53
المنطقة : السوقر ولاية تيارت
المهنة /مكان العمل : أستاذ اللغة العربية و آدابها/ثانوية قاديري خالد
تاريخ التسجيل : 27/04/2008

مُساهمةموضوع: مختاراتي من مقالات مصطفى صادق الرافعي[04]   السبت 18 أكتوبر 2008 - 16:14

[



قال القمر

[center]



ياليل : هيجت أشواقا أداريها .....فسل بها البدر :إن البدر يدريها
رأى حقيقة هذا الحس غامضة ....فجاء يظهرها للناس تشبيها
في صورة من جمال البدر ننظرها...وننظر البدر يبدو صورة فيها

**************

يأتي بملء سماء من محاسنه...لمهجتي وأراه ليس يكفيها
وراحة الخلد تأتي في أشعته ..... تبغي على الأرض من في الأرض يبغيها
وكم رسائل تلقيها السماء بها .....للعاشقين فيأتيهم ويلقيها
*************
يقول للعاشق المهجور مبتسما :......خذني ×يالا أتى ممن تسميها
وللذي أبعدته في مطارحها ......يد النوى ، أنا من عينيم أدنيه
وللذي مضه يس الهوى فسلا:......أنظر إلى ولا تترك تمنيها
*********
أما أنا فأتاني البدر مزدهيا .....وقال جئت بمعنى من معانيها
فقلت : من خدها ، أم من لواحظها .....أم من تدللها أم من تأبيها
أم من معاطفها أم من عواطفها..........أم من مراشفها ام من مجانيها
أم من تفترها ، أم من تكسرها .......أم من تلفتها أم من تثنيها!؟
كن مثلها لي .جذبا في دمي وهوى ...أو كن دلالا وكن سحرا وكن تيها
فقال وهو حزين : ما استطعت سوى ........أني خطفت ابتساما لاح من فيها






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مصطفى بن الحاج

avatar

عدد الرسائل : 6067
العمر : 53
المنطقة : السوقر ولاية تيارت
المهنة /مكان العمل : أستاذ اللغة العربية و آدابها/ثانوية قاديري خالد
تاريخ التسجيل : 27/04/2008

مُساهمةموضوع: مختاراتي من مقالات مصطفى صادق الرافعي[05]   السبت 18 أكتوبر 2008 - 17:12








نظراتها....





أكتب إليك يا حبيبت كتاب عيني ، إذ أكتب عن نظرتك السحرية التي أجد لها في قلبي معرض فن كامل من صور المعاني الجميلة فإن نظرة الحب تقع موقعها في العين وحقيقة معناها في القلب ، كأختها قبلة الحب :هي في الفم وحلاوة طعمها في الفكر..
أتدرين يا حبيبتي كيف أراك ، إن في عيني من أثر حبك ما جعل في نظري قوة خلق معنوي تريني كل شيء من فوق معانيه...كأني خلقت فيه جمالا أو معنى ، أو خلقت فيه القدرة على أن يسمو في روحي ويرتفع بها فوق ما هو في نفسه وحقيقته وعلى الجملة فكأني أسبغ الفن على المادة ، فإذا كل شيء يُرى هو في عيني شيء ألبس مجازا أو استعارة أو نحوهما مما يحقق فيه مع صنع مادته عمل فكري وخيالي..
في نظري من أثر حبك حس من الفكرة ، فهو نظر وتقدير معا والأشياء لديه مادة وعبارة سواء ، والإدراك به حقيقة وخيال جميعا، وبكل ذلك فالجمال في نظري جمال في نظري جمال من ناحيتين: حسنه في ذاته ...وحسنه في خيالي الذي يجعله أسمى من ذاته.

ولو أردت مثلا أضربه لقلت لك : خذي جمالين في معنى واحد فإني أنشأت حديقة زهر .ولكني لا أقول لك أنت غرست حديقة بل أقول لك غرست الفجر..
ومن ذلك يبدع لي الحب فكرة عنك لو هي كانت في خاطر ملك من الملائكة يمر بها في السماوات لما زادت ولا ارتفعت عما هي في نفسي ولو دخل بها الجنة....بهذه الفكرة أراك وفيك الجمال النسوي كله فإذا نظرت إلي غيرك لم أر فيها إلا شخصها هي حسبه..( هامش حسب :فقط والهاء هاء السكوت للوقوف على الكلمة)
كذلك أراك بحس الشاعر الذي يضيف دائما إلى الحياة والطبيعة زوائده وفنونه ، ولكني اراك أيضا بحس الطفولة التي تضيف غليها الحياة والطبيعة دائما مثل تلك الزوائد والفنون فما احسبني رأيتك مرة إلا وكأني رأيت فيك اول أنثى وكأنما الحب هو بدأ الدنيا مرة ثانية من أولها ، أي ولادة خيالية : إن لم تولد بها الأشياء في أشكال جديدة فبألوان جديدة ، أي زخرفة الوجود كله ونقشه لعين العاشق بجمال المعشوق كأن الوجود بيت قد طلي ونقش وزخرف لأنه ستدخله عروس الحب!
وانظري الآن يا حبيبتي صور نظراتك من قلبي فإن لها بعثات من ورائها بعثات وفيها المعاني من تحتها المعاني..
فهذه نظرات تمتد تأمر تشعرني قوة سلطانها كأنها تقول :أريـــد...أريــد...ثم لا يرضيها الرضا فكانها تقول أريد منك أكثر مما أريد...
ونظرات تجيء تشعر النفس قوة سحرها فلا تتفتر بها عيناك حتى أرى الحياة وقد ملأت وجهك بفن من الأنوثة الساحرة كأنما ابدعته لك خاصة..
ونظرات من عين ساجية ساكنة الطرف كأنها تقول لي : إن نظراتي إليك بعض أفكاري فيك...
ونظرات بتقطع الطرف بيني وبينك فيها ..كأنها تقول لي أفهمت ....
ونظرة طويلة صارمة لها سيماء قاض محقق تبحث فيّ عن توكيد لتهمة أو براءة!
ونظرات من عين تسال متجاهلة وقد شطرت بصرها كأن فيها فكرين أحدهما يقول أعرفك والآخر يقول لا أعرفك...
ونظرات الحبيبة لألآت بعينيها كأنها تقول لقلبي أنت جرئ كالفراشة ...ولكن على الشعلة المحرقة .
ونظرات الجميلة المزهوة كأن فيها شيئا أعلى من أرواحنا يوضح لمحات من الجمال الأزلي ..
ونظرات الضاحكة اللعوب تنفر وتتدلل كأنما تقول لي :
إنها تحس أفكاري تداعبها وتلمسها .
ونظرات الخفرة الحيية التي كأنما تحاول أن تخفي سر قلبين تحت كسرة طرف ضعيفة...
ونظرات أراها محدجة كما تنظر من روعة وفزع حين لا فزع ولا روعة ،فأعلم أن الجمال يهاجمني بسلاح خوفه..
وهذه نظرة _نظرة واحة _يقول من يعرف أساب معاني الحب :إنها ربما كانت أخت القبلة ....فهي قصيرة لا ينفتح بها الجفن حتى ينطبق....
وهذه نظرة طويلة قوية في جذبها ، فربما كانت أخت العناق..
وهذه نظرة يجشع فيها بصر لأن تهمة لك من عيني التقت مرة باعتذار لي من عينك .
وهذه نظرة من معنيين تحتمل كليهما إساءة الدلال إلى وإحسانه علي ..
وهذه نظرة بين اللقاءين (لقاء الغضب ولقاء الرضا)تجذب في قلبي الخوف والأمل بمقدار واحد......
تلك يا حبيبتي صور نظراتك في معرض قلبي وتقابلها هناك الصور الأخرى التي لا تريدين أن أصفها لك ،،،لأنها الصور المسكينة ....صور أحلامي....





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مصطفى بن الحاج

avatar

عدد الرسائل : 6067
العمر : 53
المنطقة : السوقر ولاية تيارت
المهنة /مكان العمل : أستاذ اللغة العربية و آدابها/ثانوية قاديري خالد
تاريخ التسجيل : 27/04/2008

مُساهمةموضوع: مختاراتي من مقالات مصطفى صادق الرافعي[06]   السبت 18 أكتوبر 2008 - 18:01








من قلمها..




وهذه فصول منتزعة من رسائلها نشرناها مقتضبة تلمح بمعانيها لمحا ليكون في هذا الاقتضاب شيء من الإبهام فتكون مع الإبهام كأنها لم تنشر ، مادامت هي تقول إنها لم تكتبها لتنشر....
فلسفة تأخير الرد..
أخرت جواب رسالتك لتجيب عنب بظنك وستجيب بأنواع متناقضة من يسوؤك ويسرك وتضع في أجوبتك مئة نعن ومئة لا ثم يأتيك بعد كلامي فينزل من نفسك منازل لا منزلة واحدة ، إذ تقابله بكل ما قدرت في نفسك من قبل ، فيسرك على قدر ما أحزنت هذه النفس ، ثم يعطيك من اليقين ما يسرك من ناحية أخرى بمحو الظن!!
هذه سياسة بعض ما يحتاج إلى الشرح في بعض علاقات النفوس يكون السكوت الطويل فيها هو أطول شرح للكلام الذي يأتي بعده....يفسره تفسيرا غير مكتوب...

*****



طفولة فلسفية..





أظن هذه الفترة التي انقضت في سكون ظاهر كانت كلها أحاديث ، أحاديث طويلة لم تعلم ..
إذا أنا سألتك مرة :أين البرهان ...لم يعجزك أن تأتي به من بلاغتك،وقد لا تكون ثمة قضية يقوم برهانها ، ولكنك تجعل البلاغة الساحرة نفسها قضية على ما ترسم ،كأنك مهندس منطق وبذلك تطمئن دائما لتأثير قوة يراهينك ،أي لإقناعي أنا.راضية أو غير راضية...
أما أنا فأقدم براهيني بسذاجة الأطفال الذين لا يعرفون ولا يستطيعون إلا أن يكونوا أطفالا وأقوى برهان الطفل أن يكون الطفل نفسه برهان عليه ....فما عساك تقول أترى الطفل هو عنك أيضا قضية بلاغة؟..
لله من الكناية إليك! ما أشدها طربا وأشدها صعوبة في وقت معا ، فأنا أخافك لأنك تستشف من الأحرف مالا يتبينه سواك من الصفحات ، وغريب أنني مع شدة هذا الخوف لا أكاد أمسك القلم حتى أسير به أو يسير بي أو نسير معا..ليس في أحد تروية ولا حذر ،كأنني أخاطب نفسي أو هو يكتب مذكراتي ...أي من قلبي لقلبي ...أتعجبك هذه الطفولة في الحديث...
نعم هي ألفاظ كالتي في ألسنة الأطفال ، لا في تلك التي في الكتب أو في صناعة البيان ، ولكن إذا أنت لم تغض عن ظاهرها فأين إذا الحفاوة بالمكنونات التي لا يراها إلا من خبئت له.....؟
******



قياس الأشياء في الحب...



كم أراك تحتاط بطريقة ناعمة لا تصدم كبرياء النفس إلا قليلا ولكن أيذهب عنك انها حين تصدمها قليلا تكون قد صدمتها وكفى ..
ليس كل قليل هو قليلاً(هذا الضمير في مثل الموضع يسمى ..ضمير فصل ...وهو حرف لا اسم ) ولا كل كثير هو الكثير فقياس الأشياء بين الأصدقاء(انظر !!) لا يكون في الأشياء ذاتها بل في صلة الإحساس التي تكون في أنفسهم ...لأنها إنما تقدر بمقادير الشعور لا بمقادير المادة ...
أما رأيت هذه الصلة الوثيقة أيام كنت مريضا ...قد جعلتك مريضين!!
إذا كنت على ثقة من هذه القضية فأنا الآن راضية عن هذه الابتسامة الطويلة التي أثق أنك تبتسم بها وإن كنت لا أراها...



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مصطفى بن الحاج

avatar

عدد الرسائل : 6067
العمر : 53
المنطقة : السوقر ولاية تيارت
المهنة /مكان العمل : أستاذ اللغة العربية و آدابها/ثانوية قاديري خالد
تاريخ التسجيل : 27/04/2008

مُساهمةموضوع: مختاراتي من مقالات مصطفى صادق الرافعي[06]   السبت 18 أكتوبر 2008 - 19:13






[size=24]

البربرية
[/size]




باركت الوخزة التي فجرت منك هذه الآيات الساحرة وكدت أدعو لك بالآلام والأوجاع مادت لا تكتب إلا من جرح ………….أتعجبك تمنيات هذه الصديقة البربرية
ألا فليهنأ بك هذا القلم الذي اوتيتهفن ما كتبت به سيبقى دائما على آفاق هذه اللغة سحابة وحي تحمل تنزيلها.
وتالله من يتذوق طعم البراءة التي تقطر بها براعتك ، ليظل من بعدها في جوع دائم كجوع الأغنياء للذهب.
أرام تبتسم الآن بسمة الرضا : أفيعجبك ثناء هذه الصديقة البربرية…؟
السيد
تقول إن حبك مسرف وعداوتك متقصدة وإن هذا الحب كخضوع المستبد، والاستبداد في نفسه قوة فهو إذا خضع كان واثقا أن خضوعه قوة أيضا وإن هان وإن ذل..
يا صديقي السيد …نعم ثم نعم ولكن كلمتك تجعلني أرى في صلتنا هذه نوعا من تطفل الفتاة على سيادة الرجل ، إذا تقتحم بها الفتاة وإذ تجرء ألا تضع هذه الصلة موضعها الطبيعي؟ إن هي إلا خضوع وطاعة وعبودية للسيد…..
أليس كذلك ايها السيد…..
أما والله إن الرجل مهما يغلب نفسه ويحملها على الرقة ليصليها بنعومة الأنوثة من جانبها المصقول الناعم، فلا بد ان تغلبه نفسه مرارا حتى تظهر حقيقته الجافية الخشنة التي خلق منها ولها..
ولو أن حجرا أحد جوانبه ماس رقيق وسائر جوانبه الاخرى حجر ثم مسته الحياة فتمثل بشرا سويا لكان رجلا متحببا متظرفا مثلك يا سيدي ….وهو من جانب واحد يعتبر المحب ، أي الماس ومن ثلاثة جوانب يعتبر السيد أي …أي الحجر…!!>>
السيد ايضا…..
لا يسوؤك أيها الصديق ! فوالله ما أنا بالتي ترغب الإساءة إلى عدو …فكيف بها إلى صديق …وإلى صديق عزيز ؟؟أيغضب السيد من وصفه بالسيد…..!
ولكن ما كانت الصداقة لتحمل في يدها ميزان العدل لكل كلمة وكل معنى وكل إشارة، بل إنها لتصفح كثيرا عن كثير لتجعل الحق الذي لها أن تستوفيه كاملا كأنها حق عليها تؤديه كاملا فتكبر بتسامحها وتنمو…
كن أنت الحاكم على نفسك انتصافا لما ظلمت به نفسا أخرى …
وإني اهز يدك بقوة تؤكد لك أن حرارة الإخلاص هي ابدا قوية من أنها إخلاص، متجددة من أنها قوية، باقية من أنها متجددة………
وبكل هذا هي الحب وهي الصداقة…
هو المرض ولكن
نعم هو المرض الذي استحق منى كل هذه العناية ، ولكنه المرض على أنه في جسمك
أنا إنسانية اعطف على كل احزان العالم ، ولكني لو تألمت لكل المتألمين لما أثاروا في نفسي إلا الجزء الأصغر مما تثيره فيًّ آلام صديق…
ولو تألمت بنفسي أو لنفسي لاحتملت ، ولكن المي بك وشفاؤه فيك …فهو الم وجزع واضطراب … أتألم بثلاثة من حيث لا تتألم انت إلا بأحدها…
نعم إن المرض هو الذي أثار فيّ كل هذا ، ولكنه المرض على انه في جسمك !!!!
جو طليق وحرية..
أنت كما تقول : في الجو الطليق وفي حريتي المعبودة ، يحويني الفضاء وأحويه ولا قيد ولا حد ولكن مع كل هذا فهناك هماك في الجو جاذبية ، وهناك للحرية أشواق ، وما يعين لنا حدود مسراتنا إلا آلامنا…
أضيفك كلمتك إلى سجل هفواتك في حق هذه المخلوقة التي لا ذنب لها سوى طيبة نفسها …ومن استحق أن تكون طيبة نفسه من ذنبه ، فقد استحق أن تكون من عقابه عند نفسه أتريد مني التوبة عن أن أكون لك طيبة النفس……؟



افتح للشمس ….




أعجب لقلبك ، يأبى أن يحتبس في هذه الفكرة المظلمة التي توهمك أني أسأت إليك وقصدت بالمهانة ....هل القلب يعادي صاحبه أحيانا فيعاديك قلبك ويأبى عليك إلا أن تصر وتكابر وتغلق النافذات كلها ثم تذهب تتهم الشمس ؟؟
ما حيلة الشمس في الحيطان والأبواب التي أنت تقيمها ؟؟
افتح لها تدخـــــــل...
من بعـــــــــــيد..
أكاد والله أنسى أني بعيدة عنك هذا البعد كله ، بعدا يتقاذف بكلماتي مسافات ومسافات إلى أن تؤدي إليك شعوري ولا أعلم هل يسلبها البعد هذه الصيغة الحقيقية التي أراها لها وانا أكتبها....وأراها لها حين تتركني ذاهبة إلى البريد؟
وأنا على هذا البعد حين أقرؤك أراك وإنك لأقرب إليّ ممن هو أقرب إلى ، وأشعر بالكلمات حارة متنفسة بين يدي كساعة كتابتها ....كأن قلبي كان عندك وأنت تكتبها فلما جاءته .جاءته على عهده بها ....
هناك مهما ابتعدت دائرة أنس لنفسي تسكن إليها وتتعلق بها ، ولا تجعل محيط أفكارها إلا منها ، فأنا بنفسي في هذه الجهة البعيدة التي تفصلك عني ..ولكني بها أيضا في المكان الذي أنت فيه ...
***
هاأنذا يا حبيبتي أجلس لكتاب الشوق ، وفي يدي القلم ومعانيك مني قريبة تكاد تحس وتلمس على تباعد ما بيننا ....لأن ما فيك هو في قلبي.
وهذه عينك الظاهرة دائما بمظهر استفهام عن شيء ، لأن وراءها نفسا متعنتة تأبى أن ترضى ...أو حائرة لا تكفيها معرفة أو غامضة تريد ألا تفسر ، أو على الحقيقة لأن وراءها نفسا فيها التعنت والحيرة والغموض ، إذ عرفت أنها معشوقة...
هذه عينك من وراء البعد تلقي علي نظرات استفهامها فتدع كل ما حولي من الأشياء مسائل تطلب جوابها من حضورك ومرآك لا غير وبذلك يهفو إليك القلب بأشواق لا تزال تتوافى ، فلا تبرح تتجدد ، فهي لا تهدأ ولا تسكن و ، وكأن غيابك سلب الأشياء في نفسي حالة عقلية كانت لها ، كما سلبني أنا حالة عقلية..
وآه من تباريح الحب! إنها لوحوش من الأحزان ثائرة ، فكل راجفة من رواجف الصدر كأنها من حر الشوق ضربة مخلب على القلب...
الشوق ...وما الشوق إلا صاعقة تنشئها كهرباء الحب في سحاب الدم يمور ويضطرب ويصدم بعضه بعضا من الغليان، فيرجف فيه حين الرعد القلبي يتردد صداه آه آه آه...
والآن يا حبيبتي ألقت عينك الساحرة عليّ نظرة استفهام أخرى بالصبابة ورقة الشوق، فأحسست بروحي كالغصن المخضر أثقله الزهر وقد طفقت أزهاره تتفتح وتسلم النسيم ودائع الجنة من نفحاتها وتسليماتها عليك..
وأشعر بالقلم في يدي وكأن له شأنا مع الكلمات التي أكتبها لك ، فهو يخطها حرفا حرفا ، ويقبلها كذلك حرفا حرفا...وكأنه الساعة ذو هيئة إنسانية (الريشة) التي فيه تمتد إلى الكلام امتداد الشفة الظمأى بالقبلات الكثيرة المخبوءة فيها!
وأشعر بالقرطاس وكأنه قد علم أن سيحمل أشواقي وأسرار قلبي فلا يعد صحيفة ورق تموج بالألفاظ بل صحيفة صدر ملأها جو من التنهد....آه آه آه ....
وبنظرة استفهام أخرى من عينيك أشعر بحقيقتك النسوية من حولي حافة بي..فمرتجة في صدري ، فملقية على قلبي المسكين من كل خطرة شوق لسعة ألم
نعم إنك يا حبيبتي ترسلين الأنوار في هذا القلب ، غير انها لم تكن أنوارا إلا من أنها شعلا مضطرمة ، والمحب الذي يضيئه عشقه ويظهر للجمال، وجوده الغرامي ، إنما ينيره احتراقه وفناء وجوده الذاتي ، كل قدر من النور بقر مضاعف من الاحتراق...
وكذلك البطل العظيم في الحرب تنهش من لحمه السيوف ويثقب في عظامه الرصاص وما مرقه الموت بهذه ولا تلك ولكن مزقه مجده !!
أما إنك يا حبيبتي لو ضربتني بسيف لقتلتني قتلة معطرة ...
أما إنك لو ضربتني بسيف لما كانت قد زدت بسيفك وضربتك على أن تكوني خلقت الحسن في نظرة قاسية من نظرات عينيك..
وهكذا علمتني حقيقتك أن الحب إن هو إلا تفسير كل شيء في العالم تفسيرا من القلب
أنت ممزوجة بآلامي وآلامي منك هي أشواقي ، وأشواقي إليك هي أفكاري ، وأفكاري فيك هي معانيك في نفسي ...ومعانيك هي الحب ....
ولكن ما هو الحب إلا ان يكون آلامي و أشواقي وأفكاري ومعانيك في نفسي .؟
ولروحك أنفاس تناسمني فأستنشقها مهما انصدعت المسافات بيننا ، كأن ما ملء النفس يملء الكون فمن شعوري الدائم بانسكاب روحك في روحي ينبعث غرامي ويرصد بهواك لي في منفذ كل معنى لى نفسي ، ومن هذا تنبعث أشواقي الحزينة ما دمت لا أراك وإذا كان الغرام هو سكر الروح بالروح ، فما الشوق إلا التمرد العنيف من حواس الجسم المحب إذا حرم أن يسكر بالجسم الذي يحبه ...
في بعدك لا أشعر بالزمن يفنى من الساعات والأيام ، بل مني ومن حياتي ، فأنا من بعدك أذوب ، أذوب فناء ، أي أذوب شوقا ، وأفنى صبرا وعمرا بين كل ساعة وساعة!
يا رحمة للمشتاق حين يكون فيما حوله وهو بعيد عنه ، وقد يتكلم بالكلمة وهو مسيرة شهر من معناها ....ويعيش في سكوت ملأته أرواح ألفاظ محبوبة تريد بما وسعه أن تتكلم ..ولا يمكن أن تتكلم ...إذ الفم الجميل الذي ينطقها بعيد في وديعة النوى ، ويروي أنه هو وحبيبه ناحية فكرية من نواحي الدنيا بعيدة عن الناس والأشياء ، كأنهما معتكفان في عزلة ، ومع ذلك فالحبيب عنه في بعـيد ، فكأنما المسكين غريب في دنياه وفكره معا ...ويحس الآلام لا تنتهي ،إذ كانت هي أشواقه الدائمة الحنين إلى من يهواه ، فالألم فيه يبدأ ولا يزال يبدأ....
ومن ذلك فأشواقي لك يا حبيبتي دائما تبدأ ولا تزال تبدأ ...وأنا دائما في أولها ..
آه من هذه الأفكار الحزينة التي جاءت تبحث عن دموعي ...
وما هذا المعنى الناري الذي يطير في دمي ...
وما هذا الرعد القلبي الراجف يتردد صداه :آه آه آه...





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
مختاراتي من مقالات مصطفى صادق الرافعي[01]
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
حدائق اللغات والعلوم الإنسانية :: أوليات :: منتدى القراءة والمطالعة-
انتقل الى: